كُتاب الترند العربي

مسارات لا تشبه بعضها

ملك الحازمي

نستيقظ أحياناً ونحن بخير، ثم لا نلبث أن نفقد هذا الإحساس دون سبب واضح. لم يحدث شيء، لم نخسر شيئاً، سوى أننا نظرنا حولنا قليلاً. رأينا حياة الآخرين، فقارنّا. أعمارنا بأعمارهم، خطواتنا بخطواتهم، وحياتنا بما يبدو من حياتهم. هكذا تبدأ المقارنة، فكرة عابرة، ثم شعور خفي، ثم يقين داخلي بأننا أقل، أو متأخرون، أو لم ننجز ما يكفي.

ليست المشكلة دائماً فيما ينقصنا، بل فيما نراه عند غيرنا. ففي كل مرة نقارن، نغادر حياتنا قليلاً. نقف عند عتبة حياة أخرى، ونحاكم أنفسنا بمعايير لم نخترها، ومن زاوية لا تخصنا. المقارنة لا تصرخ. لكنها تهمس بما يكفي لتربك الطمأنينة، وتزرع سؤالاً صامتاً: لماذا لست مثلهم؟ وهذا الارتباك له تفسير واضح في علم النفس.

في علم النفس، تُعرّف المقارنة الاجتماعية على أنها ميل الإنسان الطبيعي إلى تقييم ذاته من خلال مقارنة أفكاره وقدراته وإنجازاته بالآخرين. وقد تناول عالم النفس ليون فستنغر هذا المفهوم في نظرية المقارنة الاجتماعية، موضحاً أن الإنسان يسعى بطبيعته إلى فهم نفسه وتقديرها من خلال من يشبهه أو يختلف عنه. فالمقارنة في أصلها ليست سلوكاً سلبياً، بل آلية ذهنية للاتزان والإدراك.

غير أن هذه الآلية تفقد توازنها حين تختل المعايير. حين نقارن حياتنا الكاملة بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، أو نقيس ذواتنا بمعايير لا تراعي اختلاف الظروف والتجارب. عندها لا تعود المقارنة وسيلة وعي، بل تتحول إلى مصدر ضغط وشعور دائم بعدم الرضا.

ومع الوقت، لا تبقى المقارنة حبيسة الداخل، بل تمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية. داخل الأسرة، حين يُقاس الابن بأخيه، أو تُقارن الابنة بقريبة أكثر نجاحاً أو استقراراً، فيتحول القرب العائلي أحياناً إلى مساحة ضغط غير مقصودة. ولا تتوقف المقارنة عند الكبار فقط، بل تمتد أحياناً إلى الأطفال، حين يُقاس نموهم بتوقيت غيرهم، في الكلام أو المشي أو الفهم، متناسين اختلاف الإيقاع والفروق الفردية. وفي خضم هذه المقارنات، تدخل بعض الأمهات في دوامة قلق صامتة، ينشغلن فيها بالقياس أكثر من الملاحظة، وبالمقارنة أكثر من تنمية مهارات الطفل الفعلية، فيتحول النمو الطبيعي إلى سباق، بدل أن يكون رحلة تطور هادئة.

وتظهر المقارنة بوضوح في الحياة الزوجية، حيث تُقاس التجربة بتوقيتها لا بجودتها. من تزوّج مبكراً، ومن تأخر، من استقرّ، ومن لا يزال في طريقه. تتحول الاختيارات الشخصية إلى سباق زمني لا يراعي النضج، ولا الظروف، ولا الرغبة الحقيقية، وكأن التجارب الإنسانية يمكن اختزالها في توقيت واحد ومعيار واحد.

ومن الدائرة الأقرب، تنتقل المقارنة إلى بيئة العمل، حيث يُقاس الإنجاز بالسرعة لا بالمعنى، ويُحتفى بالظهور أكثر من الجهد، فيجد الإنسان نفسه في سباق مستمر لإثبات الكفاءة، حتى وإن كان هذا السباق لا يشبهه ولا يخدم توازنه.

أما على مستوى المجتمع، فتتسع دائرة المقارنة أكثر. نقارن حياتنا الواقعية بصور مكتملة من الخارج، ونقيس تعبنا بلحظات نجاح الآخرين، وننسى أن ما نراه غالباً ليس إلا جزءاً صغيراً من قصة أطول. هنا تتحول المقارنة من تجربة فردية إلى شعور جماعي بالنقص.

وفي كثير من الأحيان، تكون المقارنة صامتة وغير متبادلة. يقارن الإنسان نفسه بالآخرين دون أن يعلم الطرف الآخر أصلاً أنه صار مرجعاً للمقارنة. والمفارقة أن من نراه أفضل منا، قد يكون هو ذاته يرى فينا ما يفتقده. نقارن الداخل بالخارج، والرحلة الكاملة بلقطة واحدة، فنخرج بحكم غير عادل على أنفسنا.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى المقارنة باعتبارها شراً مطلقاً. ففي صورتها المتوازنة، قد تكون دافعاً للتعلّم، ووسيلة لاكتشاف الإمكانات، ومصدر إلهام ما دامت لا تُلغينا ولا تجعل قيمتنا مرهونة بأن نكون نسخة من غيرنا. وبين المقارنة التي تُنهك، وتلك التي تُلهم، يقف وعي الإنسان بنفسه كفاصل حاسم.

ربما لا نحتاج أن نقارن أقل، بقدر ما نحتاج أن نفهم أكثر. أن نتذكر أن ما نراه عند الآخرين ليس الصورة الكاملة، وأن لكل إنسان ظروفه، توقيته، ومساره الخاص. وفي اللحظة التي نتوقف فيها عن محاكمة أنفسنا بعيون الآخرين، نبدأ في رؤية حياتنا كما هي… حياة تستحق أن تُعاش، لا أن تُقارن.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى