فاطمة العدلاني
من نحن؟ من أنت؟ من أنا؟ ومن هم؟ الهوية الشخصية هل تكفي؟
أعتقد أنها لا تكفي لمعرفة حقًا ماهية الإنسان الحقيقي!
وإذا قلنا إن الهوية التي تتضمن كذا وكذا وكذا ستكون ضمنيًا صورةً للشخص، أتعتقد أن هذه الهوية جوهرٌ ثابت أم بناءٌ متغيّر؟
يقول ديكارت: “أنا أفكر إذا أنا موجود”، ويعتقد بذلك أن الهوية تقوم على الوعي المفكّر. وحسب استمرار التفكير واتجاهه تستمر الهوية، بينما أفلاطون يعتقد أن الجوهر العقلي ثابت.
وبينهما نقطة صعبة حول الاستمرارية، فلماذا أعتبر نفسي نفس الشخص إذا أثّرت عليّ التجربة وتغيّرت الظروف والذاكرة وكل شيء؟
وعلى هذا المبدأ يقول جون لوك إن الهوية قائمة ما دامت الذاكرة، وما دامت الاستمرارية النفسية، ويقول سارتر: “الوجود يسبق الماهية”، فالإنسان في اعتقاده لا يملك ماهيةً مسبقة بل يصنع نفسه بأفعاله؛ وأيضًا يتم طرح السؤال الأصعب: ما الذي يجعلني “أنا” إذا تغيّر كل شيء؟
وأنا أعتقد بشكل متواضع أن الإنسان إذا فقد مبادئَ مؤمنًا بها أو تزعزعت قوةُ إرادته في الانتماء لمكان أو لوطن أو لدين أو لعائلة أو لشخص أو حتى لمبدأ، قد فقد هويته التي يُعرَف بها، وإذا فقد هويته التي يُعرَف بها أصبح مجرّدًا من معنى الإنسانية والوجود. فماذا يعني شخصٌ ما بالنسبة لنفسه لا ينتمي لشيء، لا يتعصّب لشيء، لا يؤمن بشيء، ولا يشعر بالولاء لشيء؟ وأقصد ما أقول في سؤالي عن ماذا يعني لنفسه، لأنه لا داعي من السؤال عن رؤية الآخر له إذا كان قد خسر نفسه أمام نفسه!
يقول ديكارت: “الوعي هو أساس الوجود والهوية”.
الهوية ليست شفافيةً كاملة بل هي مشروعٌ مستمر بين الوعي بما نحن عليه وبين محاولة أن نصبح ما نختاره. فنحن لسنا ما نقول عن أنفسنا، ولا ما نفعله دون قصد، نحن ما يحدث عند التقاء الفهم مع الفعل. ولكن الوعي وحده يقدّم السرد: كيف أفسّر نفسي، واللاوعي يقدّم الممارسة: كيف أتصرف فعليًا.
يقول فرويد: “السلوك الظاهر نتيجة دوافع لاواعية”.
وهذا ينقلنا للتفكير في فكرة الزمن، كيف يمكننا أن نكون نفس الشخص رغم تغيّر كل شيء عبر الزمن؟!
ونقول إننا نبقى نفس الشخص لأننا نُحاسَب على أفعالنا ومسؤولون عن وعودنا القديمة لأنفسنا القديمة، فالهوية هنا أخلاقية قبل أن تكون نفسية. فيكون الانتقال عبر الزمن هو عبورٌ لا تغيّر في جذورٍ أصيلة. فالالتزام ينشأ خيطًا زمنيًا عبر الذوات المتغيّرة.
هل هذا قيد؟ بمعنى، أتعتقد أن الحرية مختنقة بالهوية الدينية الاجتماعية المهنية… إلخ؟
بكل تواضع، لا أعتقد ذلك. بكل تأكيد، بدون حدٍّ أدنى من الهوية تصبح الحرية بلا اتجاه! معرفةُ من تكون ومن ترفض أن تكونه على الأقل يمنح أفعالك معنىً واستمراريةً؛ الهوية كذلك تعمل كإطار، لا تلغي الحرية بل تنظّمها.
وأخيرًا، لكل إنسان معتقداته وثوابته ومبادئه الخاصة، وإذا كان الإنسان بلا هوية أو غير محدّد الهوية كما يقولون، إمّعةً في كل شبر ينتمي لما ينتمي إليه المحيطون، فقد أصله وبِيعَت روحه هباءً، وصار جسدًا بلا عنوان.



