آراء

حينما يكون القاتل هدفًا للقتل

أمنية عادل

يحتل رقم 7 مكانة هامة ورمزية ذات دلالة واسعة في مسيرة البشرية على مدار التاريخ، ربما يكون ذلك هو سبب حضوره في فيلم المخرج الأميركي David Fincher ديفيد فينشر، The Killer، الذي يُعرض حاليًا في دور العرض السينمائية. “القاتل” هو الفيلم الذي يطل به فينشر ويأخذ من جديد المشاهدين نحو عالمه الغامض المثير دائمًا. يؤدي الرقم 7 دورًا هامًا في الفيلم ورحلة هذا القاتل الغامض، إذ إن مانيفستو هذا القاتل مكون من 7 قواعد كفيلة أن يعتمدها القتلة المأجورون للنجاح في حياتهم المهنية الخطرة وكذلك المحطات أو الفصول التي ينتقل فيما بينها، وصولًا إلى محطته الأخيرة، بعد إنهاء مهمته، هي 7 محطات أيضًا.

في تحية بصرية بالغة الوضوح لفيلمه الشهير Fight Club يستهل المخرج ديفيد فينشر، مشاهد فيلم الجريمة المثير «القاتل»، حيث ينتظر القاتل متأملًا أحد شوارع العاصمة الفرنسية باريس من نافذة غرفته التي لا تشبه غيرها من الغرف، يبدو القاتل مترقبًا، يمارس تمارين اليوجا بهدوء بالغ، كما ينام وفقًا لعدد دقائق محسوب في انتظار تنفيذ المهمة.

راوٍ مُصور

يلفت الفيلم إلى غياب الأسماء وحلول الصفات محلها، حيث هناك القاتل، والعميل، والخبيرة، والسائق.. وغيرها من صفات كهذه، وذلك رغم تنوع أسماء القاتل في جوازات السفر وبطاقات التعريف الشخصية العديدة التي لديه، مع هذا لا نذكر من كل تلك الأسماء أي اسم، كما أننا لا نعرف اسمه الحقيقي. يكتفي الفيلم بالتعريف عنه بـ«القاتل»، ويعود ذلك إلى النص الأصلي الذي يتخذ منه فينشر منطلقًا لفيلم حيث سلسلة الكتب المصورة التي تحمل اسم Le Tueur\The Killer الذي ابتكره Alexis Nolent الذي ينشر أعماله تحت اسم Matz وLuc Jacamon.

يقدم Matz رحلة قاتل يبحث عن الراغبين في القضاء عليه بعد فشله للمرة الأولى في مسيرته المحترفة كقاتل في مهمة موكلة إليه، حيث إن هذا العالم القاتم لا يحتاج إلا خطأ واحدًا يكون كفيلًا لوضع كلمة النهاية، سواء برصاصة واحدة، أو طعنة خنجر خبيث. يستهل الفيلم أحداثه من محطة باريس حيث ينتظر القاتل المُنفذ عليه حكم القتل، لا نعرف الدوافع ولا نعرف الشخوص، يجرد الفيلم ومن قبله القصة المصورة حكايته من أي مساحة تعاطف أو بناء علاقة إنسانية مع هؤلاء الشخوص؛ إذ إنه عالم مجرد يعتمد على راوٍ واحد وهو القاتل نرى الأمور من زاويته، من داخل عقله، للمرة الأولى يخطأ القاتل في التصويب نحو هدفه وعليه المرور بالفصول السبعة التي تنقله إلى بر الأمان.

بداية من باريس حيث الهدف إلى الدومينيكان، ثم المخبأ إلى نيو أورلينز، ولقاء المحامي، وصولًا إلى فلوريدا حيث لقاء شخص غامض إلى المحطة الخامسة حيث نيويورك، ولقاء الخبيرة التي بدورها تساعده قبل قتلها في اللحاق بالمحطة السادسة شيكاغو للقاء العميل. هذا اللقاء الذي خالف كل التوقعات في معرفة نتائجه رغم تشابه المعطيات مع غيرها من اللقاءات السابقة التي كانت نهايتها الموت المحتم لهم جميعًا، رغم ذلك احتاج هذا القاتل المأجور إلى هذا اللقاء لمجرد الفهم ليس أكثر حتى يحل هادئًا في محطته الأخيرة التي عاد لها ثانيًا حيث الدومينيكان إلى جوار صديقته التي تلقت عنه محاولة القتل المحتم.

مونولوج فلسفي

يعتمد الفيلم على المونولوج الداخلي لفهم المشاهد وما يدور في داخل عقل هذا القاتل، حيث لا يقدم تبريرًا، بل مخاطبة الذات للتركيز على الهدف دون النزوح عنه، يتواءم ذلك وأداء Michael Fassbender مايكل فاسبندر، وكذلك كافة أداءات الفيلم الهادئة التي تشبه هدوء ما قبل العاصفة وفي مقدمتها Tilda Swinton تيلدا سوينتون، حيث تتماشى الأداءات التمثيلية مع العالم الغامض لديفيد فينشر المنعكس بدوره على الصورة البصرية وسماتها اللونية.

كعادة أفلام ديفيد فينشر يتسم الفيلم بالطبيعة القاتمة، سواء في رسم الشخصيات التي تتسم بالقسوة، أو الصورة البصرية ذات القتامة اللونية التي يغلب عليها الألوان الداكنة الباردة. تعاون فينشر مع مدير التصوير Erik Messerschmidt من قبل في فيلم Mank عام 2020 ويتجدد التعاون في فيلم The Killer، حيث ساهمت الصورة البصرية وملامحها وزواياها في زيادة حالة التشويق والغموض أيضًا.

في حين يعد العنصر الأهم في صياغة الحالة العامة للفيلم، هو مونتاج Kirk Baxter الذي تعاون مع فينشر في عدد من الأفلام والأعمال الدرامية أيضًا. وظف باكستر Rough cut، لا سيما في مشاهد الملاحقات، وخلق المونتاج وتيرة خاصة للمشاهد، وكذلك إيقاع متسارع يحبس الأنفاس على مدار أحداث الفيلم.

تعريف وتمهيد

يلتقي فينشر وكاتب السيناريو Andrew Kevin Walker من جديد في فيلم The killer وكان لهما لقاء من قبل في فيلم Seven الذي لفت النظر إلى ما يقدمانه من أسلوب غامض لأفلام الإثارة. يتسم نصف الساعة الأولى من عمر الفيلم بمونولوج مستمر مترقب، وكأنها معالجة جديدة للأسلوب الهيتشكوكي الشهير في صياغة سردية الأفلام، تلك السردية المثيرة التي عادة ما تسبق مشاهد الحركة الحالية للأنفاس. الملاحظ قدرة الفيلم على تحويل تلك المدة الزمنية إلى عنصر جذب للمشاهد لمتابعة عالم هذا القاتل وتتبعه في مهمته.

المثير في فيلم القاتل هو قدرته على خلق آفاق جديدة غير متوقعة لأحداثه ونهايته على وجه الخصوص.

يكشف القاتل على لسانه بأنه غير مميز، أو على وجه الدقة يشبه الكثيرين من الناس ويريد التمتع بالهدوء دون البقاء تحت الضغط، وكأنه قاتل بدرجة فيلسوف يحاول استخلاص السلام رغم ما يُظهره من تماسك وتجرد من الإنسانية.

المصدر: سوليوود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى