آراء

إصدارات مهرجان أفلام السعودية روافد في نقد السينما وفهمها

وائل سعيد

إذا كانت المكتبة العربية تعاني نقصًا ملحوظًا في الترجمات كافة، فإن السينما على وجه الخصوص تتضاعف معاناتها، سواء على مستوى الترجمة، أو الكتابة الأصلية. ربما لهذا تُعد إصدارات المهرجانات السينمائية رافدًا مهمًا لهذه المكتبة، والتي من أبرزها تجربة النشر لمهرجان أفلام السعودية الذي يحرص في كل دورة على تقديم مجموعة من الكتب السينمائية، وصل عددها في دورة هذا العام إلى 17 كتابًا، تنوعت موضوعاتها بين التحليلي والاستقرائي والتوثيقي أيضًا، وغلبت بالطبع تيمة الكوميديا –شعار الدورة – على عدد كبير من المطبوعات.

سينما المخرجين

أحدثت الموجة الفرنسية الجديدة فور ظهورها ضجة كبيرة – ربما لم تنتهِ تبعاتها حتى الآن – وقتها استطاع مجموعة مختلطة من المخرجين والنقاد تغيير دفة السينما العالمية. ويُعد «جان لوك غودار» من ألمع أسماء هذه الموجة. من البحرين يقدم لنا الناقد والسينمائي أمين صالح كتابه “جان لوك غودار.. ما قبل الاسم، ما قبل اللغة”. قدم صالح عددًا من الترجمات السينمائية الهامة والمميزة، بالإضافة إلى الكتابات المباشرة بالطبع، إلا أنه في هذا الكتاب ينطلق من منطقة مغايرة تتجاوز التصنيف وتحتفي بغودار. يصف صالح المخرج الفرنسي بأنه “فيلسوف السينما الموجه لغويًا، البعض يعتبره فيلسوفا وسينمائيًا معًا”.

رحل غودار، العام الماضي، عن عمر يناهز التسعين وهو ما يقارب ثلثي عمر السينما، وسوف يعرض فيلمه الأخير “حروب مضحكة” في الدورة المقبلة من مهرجان كان السينمائي 2024 ضمن برنامج “سينما الشاطئ”. ينسج غودار في فيلمه صورته السينمائية الأخيرة التي اختار لها مجموعة من الصور الفوتوغرافية والفيديوهات في قالب تجريبي وثائقي. يقول أمين صالح في كتابه: “ما هو مثير بشأن غودار، إضافة إلى غزارة إنتاجه السينمائي واعتبار عدد منها كروائع فنية في تاريخ السينما؛ أنه يُجبر الجمهور على اتخاذ موقف من مجمل تاريخ الفيلم، ويجعله يطرح الأسئلة.. لفهم غودار يتعين علينا أن ندرس ونتأمل الكثير من الأمور”، وهو ما يتتبعه الكاتب فيما يزيد على 500 صفحة.

لغودار أيضًا فصل كامل بعنوان “في رثاء غودار” ورد ضمن كتاب «الطريق إلى السينما الكونية.. سينما لويس بونويل نموذجًا» للكاتب السعودي حسن الحجيلي، الذي اعتبر أن رحيل غودار كان بمثابة «رحيل حالة سينمائية كونية». اشتهر بونويل بأسلوبه السريالي بداية من فيلمه الشهير “كلب أندلسي 1929″، وهو حالة تجريبية شاركه فيها العبقري الإسباني «سلفادور دالي». يناقش الحجيلي في كتابه مفهوم السينما الكونية وأوجه الاختلاف بينها وبين السينما العالمية التي «تُنتج وفق منطق السوق وذهنية التسويق القائمة على الإبهار وبذخ الميزانية الضخمة”، بينما السينما الكونية تنفتح على المطلق واللامحدود، هي “شيء يدخل في جوهر الفن السينمائي، ولا تتطلب صناعتها مبالغ ضخمة لأغراض استهلاكية، بل حاجة داخلية في نفس الفنان، يُعبر عنها بالوسيط السينمائي، ولا يقدمها إلا أشخاص لديهم إدراك عميق بالوسيط الفني”.

على نفس خطى الموجة الجديدة، يأتي كتاب الشاعر والمترجم العراقي عبدالهادي سعدون، “سينما بدرو المودوفار”، المخرج الإسباني الأشهر في إثارة الجدل وحصد الجوائز. بدأ المودوفار مشواره الفني في منتصف السبعينيات ببعض الأفلام القصيرة، وكانت الانطلاقة بفيلمه الروائي الطويل “بيبي ولوسي وبوم وفتيات أخريات مثل أمي” “1980”، وخلال ما يقارب من نصف قرن قدم المخرج السبعيني عشرات الأفلام أحدثت ثورة فنية كما يصفها سعدون. يقول في حوار سابق: “معضلة سينما المودوبار، هي معضلة جيل كامل وحركة فنية غيرت الذائقة والتصور السينمائي الإسباني الذي عاش في ظل دكتاتورية ورقابة”.

أما الناقد المصري أمير العمري، فقد صدر له كتاب بعنوان “وودي آلن.. ضحك وفلسفة”، سبق أن صدر للعمرى مجموعة من الكتب تتناول مخرجين عالميين مثل: “فيلليني. سيرجيو ليوني. سكورسيزي» ويصدر له قريبًا – كما أعلن – كتاب جديد عن “سينما تارانتينو”. بالإضافة إلى قراءته التحليلية لتجربة آلن، استعان العمري في كتابه بمجموعة كبيرة من حوارات آلن وبعض أقواله من كتب “وودي آلن عن وودي آلن”، يقول في مقدمة كتابه: “لا شك أن ما يميز سينما وودي آلن وأفلامه الكوميدية التي تضحك وتمتع الجمهور في العالم، رؤيته الكامنة فيما وراء الصورة، وفي طيات الدراما، التي تنبع من قلب الكوميديا، أي باختصار، فلسفته من خلال أفلامه نفسها”.

سينما الشعر

برغم فجاجة العديد من أفلامه، احتل المخرج الإيطالي العالمي «باوزليني» لقب شاعر السينما عن جدارة، وربما كان أول من أطلق مصطلح «السينما الشعرية». انغمس بازوليني وأفلامه في الرذيلة الإنسانية متنغمًا بها على كافة الأوتار، وهي شعرية تتشابه مع الشعريات القذرة لبودلير ودي ساد وغيرهما، حين ينبع الجمال من الرمة – الجسد – الملقاة على قارعة الطريق كما رآها بودلير وجسدها بازوليني. شاعر سينمائي آخر من قلب روسيا الباردة يُدعى «أندريه تاركوفسكي» صنع روائعه الشعرية وهي أفلام نفسية بالأساس، استطاعت عين المخرج التسلل لدواخل شخصياته، فهناك رمم وأجساد عفنة، بل وأشباح أيضًا.

يقول تاركوفسكي في كتابه النحت في الزمن: «في رأيي، الاستنباط الشعري هو أقرب إلى القوانين التي بواسطتها يتطور الفكر، وبالتالي أقرب إلى الحياة نفسها»، ترجمة أمين صالح. في كتابه «الشاعر في مرآته.. أندريه تاركوفسكي، حوارات مختارة»، يقدم منير عليمي، ترجمة لمجموعة متنوعة أجراها تاركوفيسكي في أزمنة وأماكن مختلفة. يقول عليمي: “ارتأينا اختيار الحوارات التي تقدم لمحة جديدة حول الفلسفة التي يتبعها تاركوفسكي في أفلامه كما حاولنا الابتعاد عن الحوارات التي تتضمن نقاطًا متكررة كطفولته على سبيل المثال”.

من أرض الشعر أيضًا يأتي كتاب هام بعنوان “سينما تبحث عن الشعر”، ترجمة معز ماجد. يتكون الكتاب من مجموعة مختارة من المقالات تناقش وتطرح مفهوم الشعر في السينما وخصائص العلاقة الشائكة، التي يتم استخدامها عن جهل من بعض النقاد على أفلام ليست شعرية. يتوجه الكتاب بصورة أكبر لقارئ متخصص يهتم بالماورائيات. تقول المحررة عن خصائص السينما الشعرية: «هي نسيج سردي فضفاض أو إيقاع فردي يميل إلى تمطيط اللقطات أو نزوع واضح للاستعارة أو بحث شكلي يتجلى من خلال بعض المعالجات التي تتغير بحسب العصور والمؤلفين كالضبابية والطباعة المضاعفة في عشرينيات القرن الماضي».

ويأتي الكتاب الثالث في قائمة الترجمات، “التحديقة ما قبل الأخيرة.. حوارات عالمية في السينما” جمع وترجمة راضي النماصي، وهو عبارة عن مجموعة مختارة لحوارات أجريت مع مخرجين عالميين من بينهم “كريستوفر نولان وتارانتينو”. كتاب عاشق للفن السينمائي يتغنى باستمرارية السينما وجمالية ذلك، فثمة نظرة قبل أخيرة للحياة، وأخرى مماثلة قبل أن ينتهي الفيلم. تحديقة أخرى نتابعها في كتاب «أمين صالح.. التحديقة الواعية» الصادر ضمن كتب المكرمين بجانب كتاب “صالح الفوزان.. السينمائي المهاجر”.

نحو السينما

يختار الناقد اللبناني محمد رضا لكتابه عنوانًا طويلًا ربما ليتناسب مع الحجم الكبير لموضوعه “قطار الكوميديا.. أسس وأنواع ومئة فيلم لا بد منه”، وقد بدأت الكوميديا مع بدايات الفن السينمائي تقريبًا، لذلك فهناك العديد من المحطات الهامة، سواء على مستوى الأفلام أو صُناعها، يقول: “عليّ أن أشير إلى أن الشخصيات التي شاهدناها على الشاشة مرارًا وتمتعت بنجاحات جماهيرية بارزة تحتاج كتابًا منفصلًا لو أتيح له أن يتم” من هنا اكتفى رضا في كتابه بمئة فيلم على غرار القوائم السينمائية الشهيرة، وقد اعتاد الناقد محمد رضا نشر عدد من القوائم المماثلة في مناسبات مختلفة من خلال صفحته الشخصية، يتفاعل بها مع متابعيه بشكل مستمر للتعرف على “أفضل خمسة أفلام لهذا العام، أهم مخرجي هوليوود، أفضل عشرة أفلام لهيتشكوك..” وهكذا.

يجول رضا بقطاره في بلدان مختلفة عربية وأجنبية وإن كانت الأخيرة تحتل المساحة الأكبر، بداية من السينما الصامتة ونجميها “تشارلي شابلن وباستر كيوتن”. قد يجد المشاهد العادي في الكتاب بعضًا من آراء الكاتب غير المعتادة، كتفضيله لباستر على شابلن مثلًا، وهو ما ذهب إليه عدد من النقاد عالميًا، خصوصًا على مستوى التقنية التي برع فيها باستر، لكن الكاتب هنا يجري الأفضلية بينهما على مستوى المفهوم؛ فشابلن اهتم بالإضحاك، فيما اهتم باستر بالرؤية، ونفس الأمر ينطبق على الكوميديان المصري إسماعيل يس.

في كتاب “ضحكات إيطالية: تاريخ وفن الكوميديا الإيطالية” يصحبنا الناقد رشيد عرفان، في جولة تاريخية عبر الكوميديا الإيطالية التي تمتاز عن غيرها من الكوميديات بتحويل المأساة والتراجيدي إلى واقع ساخر، حتى وإن كانت في صورة كوميديا سوداء. أما الدكتور عادل خميس الزهراني، فيقول: “هذا كتاب في النقد كما قلت، لكنني محبٌ للأفلام، ومحبتي للأفلام تسبق تخصصي في النقد بسنوات طويلة”. يصنع الزهراني في كتابه “في نقد السينما.. تقاطعات السينما والأدب والفلسفة” حالة من الهارمونية فيما يخص الصورة والكلمة وما وراء كلتيهما من فلسفة.

ثمة ثلاثة كتب أخرى دارت موضوعاتها عن السينما: “فن فهم السينما.. بين اللغة والنظرية” لحمادي كيروم، و”السينما الوثائقية.. في جماليات الإنشاء والتقبل: تجارب عالمية رائدة” للدكتور أحمد القاسمي، ويعد مرجعًا هاما لمحبي ودارسي السينما التسجيلية، فيما يتناول ماهر منصور في كتابه “المبدأ – الملك”، المبادئ العامة والشائعة لكتابة السيناريو واصفًا إياها بـ”الوثائق الأساسية التي تحتاجها لتكون راويًّا أفضل لقصتك”.

أما الناقد المصري عصام زكريا، فيتصدى لبحث ربما يكون من الصعب توثيقه في هذه اللحظة، “السينما السعودية.. قراءة نقدية تاريخية”. يقدم فيه ما يمكن تسميته بلغة السينما “لقطة عامة” لتاريخ التجربة السينمائية السعودية، بداية من فيلم “ظلال الصمت” لعبد الله المحيسن، الذي يُعد أول فيلم سعودي، مرورًا بالمرحلة الخليجية والمهرجانات السينمائية الخليجية مثل: “دبي، أبو ظبي، مهرجان الخليج… إلخ”، وكيف كان لهذه المهرجانات تأثير كبير على شباب السينما السعوديين، الذين طفقوا يتلمسون السينما أينما كانت. وصنع عدد كبير من هؤلاء الشباب أفلامًا مستقلة أطلقوها على قنوات اليوتيوب والتواصل، حتى جاءت الانفراجة الكبيرة وفتحت دور العرض السينمائي في المملكة لأول مرة، يقول زكريا: «كانت السعودية حتى 2018 لديها صنّاع أفلام، وأفلام، وجمهور، ولكن ليس لديها دور عرض سينمائي». وهو موضوع البحث الذي قام به الفنان ممدوح باعجاجه لـ”دراسة الاحتياجات والرغبات وفهم سلوكيات رواد السينما والمنصات في السعودية».

يقدم المهرجان برنامج المطبوعات السينمائية المُستدام وفق تعاون مشترك مع جمعية السينما ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، وبدعم من هيئة الأفلام في وزارة الثقافة، وقد تولت دار جسور للنشر والتوزيع طباعة الإصدارات وتوزيعها، والتي يتحتم عليها مستقبلاً مراجعة خلفية الغلاف المعتمة والموحدة في المطبوعات كافة رغم بهجة أغلفة عدد كبير من الكتب.

المصدر: سوليوود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى