آراء

في صراع البحث عن المغزى من الأعمال السينمائية

د. عبدالرحمن أبوشال

ليست مهمة الكاتب السينمائي أو المخرج أن يقدم رسالة من خلال أعماله السينمائية، بل لا يلزم أن يقدم العمل، كونه فنيًا، ورسالة، بالرغم من أن العمل السينمائي قد ترتبط به قضية أو موضوع يوحد عناصره، والتي غالبًا ما تكون محور الصراع بين الشخصيات الأساسية بالقصة، ولا يعني ذلك أن هناك أعمالاً تستقصد توجيه دروس لجماهيرها، وكونها مفضلة عند بعض الفئات من المجتمع لا يعطيهم الحق في مصادرة آراء الآخرين الذين لا يشاركونهم معاييرهم الذاتية.

مع أن العمل السينمائي في الأصل هو من نسج الخيال، إلا أنه في كثير من الأحيان لا يتجاوز كونه يقدم “حقائق” حتى لو لم تكن “حقيقة”، فهي وقائع وأحداث وقعت لشخصيات متخيلة، فهي حقائق بالنسبة لهم، وهذه الرتبة من التعقيد المتخيل يجعل القصة واقعية لحد كبير قد تبدو وكأنها حقيقة، وكلما كانت بواقعية تلامس واقع المشاهد، كانت أدعى للتأثير عليه. ويحصل لبعض الكتاب أنهم يتخيلون الشخصيات بكاملها ثم يضعونها في مواقف مختلفة ويخيل لهم صراعها حول أمر ما، ثم بعد ذلك يدركون القضية التي تدور حولها القصة. ومما ذكره المخرج بول توماس أندرسون هو أنه يبدأ بهذه الطريقة، حيث يحيك القصة وشخصياتها وينسج أحداثها قبل أن يدرك القضية التي تتعاطى معها، وبعد لحظة إدراكه بها بمراحل لاحقة يصوغها ضمن عمله.

إن الحاجة لتناول القصة لموضوع بأسلوب يطمئن له المشاهد لا يلزم منه نجاح العمل، كما أن إلحاح المشاهد على أن يرى أعمالاً برسالة لا يدل بالضرورة على ذوق عالٍ، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تدني مستوى الصناعة السينمائية فنيًا، وقد تصدم من حقيقة أن الكثير من المعاني التي يستشفها المشاهد في معظم الأعمال التي في مفضلته لم تنسج في القصة عمدًا، بل هي ما ترتب عن ربط الأحداث بطريقة جعلته يتوهم أن هذا هو الدرس الذي يقدمه العمل.

في مستوى عالٍ من مستويات النقد، يدرك الناقد أن القصص لا تتجرد عن الأيديولوجيات الثقافية التي تخلقت فيها، فلا الكاتب ولا المخرج ولا المشاهد لديهم القدرة على التجرد التام عن القوالب الفكرية والتصورات الذهنية التي غالبًا ما تتشكل في محيطات تموج بهم ولا تهدأ؛ ما يحتم وجودًا دائمًا للمعاني في الأعمال الفنية، ويسعى الجميع للوصول إلى المعاني التي تضمرها القصص، سواء كانت مستقصدة أو ظهرت نتيجة تراتب الأحداث في مخيلة مؤلفها، وإن لم يعِها إلا بعد إدراك المشاهد لها.. وما أجمل الأفلام التي ما زلنا نستكشف خباياها بعد مدة طويلة من مشاهدتها، نتيجة تقدم العمر، وإدراك عمق التجربة البشرية.

المصدر: سوليوود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى