آراء

السينما وانصهار اللهجات العربية

عبدالرحمن الأنصاري

قدمت السينما دورًا مؤثرًا في سياق التنوع الثقافي على المستوى العربي، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، سواء ما يتعلق بالعادات والتقاليد أو التاريخ والجغرافية، بالإضافة إلى اللهجات؛ وهو ما يجعل مواطنًا في إحدى المناطق النائية المصرية «على سبيل المثال» يفهم – من دون شرح – مشهدًا سينمائيًا باللهجة اللبنانية أو السورية أو السودانية.

عندما عُرض الفيلم السوداني «وداعًا جوليا» في دول عربية وخليجية، مؤخرًا، فوجئ البعض بوجود شرح باللغة العربية الفصحى للمشاهد، رغم أن 90%‎ من مفردات اللهجة السودانية مفهومة، وبالتالي لا يحتاج المشاهد إلى شرح يمكن أن يسبب إزعاجًا لبعض المشاهدين.

من الإنجازات التي قدمتها السينما العربية أنها جعلت المجتمعات العربية، فضلاً عن المستوى الدولي، دولة واحدة تشترك في فهم الثقافات والتقاليد، واستحضار المواقف التاريخية؛ لذلك اُعتبرت السينما أحد أهم عناصر القوة الناعمة لأي دولة؛ نظرًا لحجم التأثير الذي تتركه لدى المشاهدين.

كما يمكن لعمل سينمائي أو تلفزيوني واحد، واسع الانتشار عربيًا، أن يُحدث تأثيرًا ثقافيًا يفوق عشرات الدورات التثقيفية، ولذلك نجد مواطنًا تونسيًا يفهم حديث نظيره المصري أو مفردات لغوية دارجة في اللهجة المصرية؛ وإذا سُئل أين عرفتها فسيقول سمعتها في فيلم كذا، وعلى هذا المنوال ينطبق الأمر على الأعمال الخليجية التي نقلت اللهجة الخاصة بأهل الخليج إلى بقية الشعوب العربية.

يمكننا أن نحدد جملة من الأسباب التي ساعدت وتساعد على انصهار اللهجات؛ أولها يتمثل في قوة العمل الفني في حد ذاته، والذي بدوره ينقله إلى مساحات عربية شاسعة؛ وثانيها تضمين اللهجة المحلية في سياق درامي غير معقد، وهو ما يساعد على فهم المفردة بدون عناء؛ وثالثها تضمين المأثورات الشعبية في الأعمال الفنية.

على أن ثمة استعدادًا وحماسة لدى الشعوب العربية للتعرف على ثقافات ومكونات اجتماعية عربية مختلفة، بما فيها اللهجات واللكنات الدارجة، يساعد على ذلك حركة السياحة البينية في الدول العربية وعوامل الاحتكاك المباشر بالثقافات المختلفة.

المطلوب من السينما العربية أن تستغل هذا الانصهار اللغوي في زيادة مساحة الأعمال الفنية المشتركة. صحيح أن ذلك حدث بالفعل، خاصة خلال السنوات الأخيرة عندما فتحت المملكة العربية السعودية أبوابها للفنانين والمبدعين العرب، لكن الأمر يحتاج اهتمامًا مماثلًا من بقية الأسواق الفنية العربية؛ لزيادة مساحة انصهار اللهجات العربية في مختلف المجتمعات المحلية.

المصدر: سوليوود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى