آراءتقنية

العُملات الرقميّة هي المستقبل في آسيا

جوردون آر كلارك وأمير هرنيتش

حينما ظهرت العملات الرقمية والعملات المُشفَّرة “البِيتكوين” إلى الوجود، كان يُنظر إليها على أنها تمثل تحدٍ مباشر لسيطرة البنوك المركزية على العملة، وبعد الإحجام والعداء المُبكّر تجاه العملات المشفرة، بدأت البنوك المركزية في التعرف على “البلوك تشين blockchain” واحتضانه، حيث مثّلت العمود الفقري التكنولوجي المبتكر وراء “البيتكوين”، يغطي “البلوك تشين” مجموعة من التقنيات القابلة للبرمجة مع خوارزميات قابلة للتعديل، وتقدم طرقًا مختلفة لتتبع الأصول ومراقبتها، كما تتيح هذه التقنية فرصة غير مسبوقة لإدارة إصدار العملات.

هناك فرق بين العملات الرقمية بالمعنى الواسع والعملات المشفرة القائمة على تقنية “البلوك تشين”، فمعظم الاموال الرقمية بالفعل تكون موجودة فقط كمدخلات في قواعد بيانات الكمبيوتر، أما البنوك المركزية فلديها تدابير وضوابط مختلفة لمقدار النقد المادي المتداول، مقابل مبالغ الأموال المُحتَفَظ بها في الحسابات المصرفية وغيرها، إن معظم البنوك المركزية تمتلك بالفعل أنظمة دفع فورية مُنَظَّمة حيث يُمكِن للمستهلكين والشركات استخدام الهواتف المحمولة لإجراء مدفوعات رقمية، وعلى هذا يقود كلٌ من مُشغِّلي شبكات الهاتف المحمول والنظام المصرفي هذه الأعمال الضخمة.

الصين والتي تُعَد أكبر سوق للدفع عبر الهاتف المحمول في العالم، وصلت قيمة المعاملات فيها إلى 347 تريليون يوان- ما يعادل 53.04 تريليون دولار أميركي- في عام 201‪9وتمثل ما يقارب أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وقد ارتفعت القيمة الإجمالية للمعاملات في عام 2020 بسبب الوباء، ومع نمو التقنيات الرقمية وتطورها تستغل البنوك المركزية في آسيا هذه الفرص.

تايلاند واحدة من الدول ذات الشركات الرائدة في مجال المدفوعات الرقمية، وقد ركّزت على التحويلات الفورية بين البنوك والأفراد، وركّزت أيضًا في نقاط البيع باستخدام رموز “آر كيو QR” وأرقام الهواتف المحمولة والحسابات، كما دعم بنك تايلاند مبادرة “الدفع المستعجل Prompt Pay” في عام2017‪ وقد شجّع ذلك البنوك التايلاندية على تحقيق وفرة كبيرة في التكاليف عن طريق تقليل الاستخدام النقدي، وقد اشترك حوالي 70% من أصحاب الحسابات المصرفية التايلاندية في إطار هذه المبادرة، حيث يستخدمها تجار التجزئة الصغار أيضًا والذين لم يعودوا بحاجة للتعامل مع النقد.

سنغافورة طالما كانت رائدة في المدفوعات الفورية، وقد كانت السلطات النقدية في سنغافورة من أوائل البنوك المركزية الآسيوية التي تجري دراسات فنية مفصلة حول العملات المشفرة المحلية، وقد استكشف مشروع “أوبين” عمليات المقاصة والتسوية المحلية والعابرة للحدود، نظرًا لتعدادها السكاني الهائل وانخفاض استخدام البنوك والبطاقات.

الصين كانت تقود الدفع الفوري الرقمي ومسح رموز الـ”آر كيو QR” لسنوات، حيث تطالب كل من منصات “آلي بأي AliPay” الصينية للدفع وخدمة الدفع الإلكتروني “ويتشات باي WeChat Pay” ما يقرب من مليار مستخدم نشط، لأنظمة التحويل الفوري المستندة إلى الحسابات المصرفية، مما يؤدي إلى بعض المخاطر النظامية إذا فشل أي منهما.

لكن ماذا عن العملة الرقمية للبنك المركزي أو العملة المشفرة للبنك المركزي؟ هنا يمكن للعملة الرقمية للبنك المركزي زيادة المنافسة وتقليل المخاطر في المدفوعات عبر الهاتف المحمول، وتسريع الرقمنة لتقليل التكاليف النقدية، وكذلك تقليل غسيل الأموال عن طريق “إخفاء الهوية” الذي يمكن التحكم فيه.

ورغم الشائعات العديدة لم يتم الإعلان رسميًا عن نية إطلاق العملة الرقمية للبنك المركزي السنغافوري، وفي الوقت نفسه أطلقت كل من الصين وكمبوديا عملات مشفرة تسعى إلى مزيد من الشمول المالي، ولكن على نطاقات مختلفة إلى حد كبير.

فبنك كمبوديا الوطني أطلق نظام مدفوعات “بلوكينج Bakong” في أكتوبر 2020. هذا النظام متاح لعملاء التجزئة حيث يدعم خدمة تحويل الأموال بين الأطراف المختلفة، على أن يكون التعامل بـ”الرييل” الكمبودي أو الدولار الأميركي، وبحسب ما ورد فقد جمع “باكونغ” بإحضار ما يقرب من ثلث السكان الكمبوديين “5 مليون من 17 مليون مواطن”، كما عزَّز هذا النظام الحواجز المنخفضة للدخول في الشمول المالي، الذي يمكن أن يكون له تأثير حقيقي على النشاط الاقتصادي كما لوحظ في أجزاء أخرى من العالم.

في الوقت نفسه فمنذ بدء المشروع في عام 2014، تحرك بنك الصين الشعبي بسرعة نحو إطلاق أول عملة رقمية سيادية رئيسية في العالم وهي “اليوان الرقمي”، حيث يمكن أن يكون هذا بيعًا سهلًا للمستهلكين الذين يستخدمون النقد الرقمي الفوري، مما يمكّن الحكومة من ضبط السياسة النقدية المحلية من خلال التحكم المباشر في مقدار الأموال غير النقدية المتاحة للاقتصاد، وبالفعل توجد عمليات “اليوان الرقمي” في العالم الحقيقي في المدن الكبرى، بما في ذلك “شين زين Shenzhen” و”تشينج دوChengdu” و”سو زو Suzhou” حيث يحصل العملاء على “اليوان الرقمي” عبر البنوك لكن بقية آسيا متخلفة.

البرلمان الهندي من المتوقع أن يصوت قريبًا على تنظيم العملات المشفرة، وربما يتم حظر جميع العملات المشفرة الخاصة، مما يؤدي لخلق إطارٍ شرعيٍ للعملة الرقمية للبنك الاحتياطي الهندي.
الفلبين وهي أول دولة في آسيا تتبنى الدفع عبر الهاتف المحمول عبر استخدام “النقود الذكية Smart Money” في عام 2001، إلا أنها لم تستفد من تقدمها المبكر.

كما إن دول “آسيان” الأكبر مثل إندونيسيا ليست في المقدمة، حيث زعمت صحيفة “جاكرتا بوست” مؤخرًا: “أن إندونيسيا ليست في عجلةٍ من أمرها بشأن العملةٍ الرقميةٍ”.

وفي حين أن أكثر من 80% من البنوك المركزية حول العالم قامت بتجربة العملات المشفرة، إلا أن الصين تقود العالم في نشر العملة الرقمية للبنك المركزي جنبًا إلى جنب مع كمبوديا، بينما وضعت سنغافورة نفسها بحذر لتكون لاعبًا رئيسيًا باستخدام نهج مختلف، وقد تجد المزيد من البنوك المركزية الآسيوية نفسها تحت الضغط لإصدار عملات رقمية، وذلك لأسباب ليس أقلها المقدرة على أن تصبح عملات احتياطية في التجارة الدولية.

إن البلدان التي كانت تستثمر بكثافة في تقنيات الدفع الرقمية وتطوير العملة الرقمية للبنك المركزي ستجني فوائد قريبًا، ومن المرجح أن يشهدوا نموًا في النشاط الاقتصادي مدفوعًا بسهولة الاستخدام والعملية وتوفير الوقت والتكلفة والجهد،كما تحتاج البلدان الأخرى إلى تسريع استثماراتها والاستفادة من تجربة الصين وسنغافورة، وإلا فإنها تُخاطر بالبقاء في العُصور المُظلِمة من الناحية النقدية.
أخيرًا، إن مستقبل المال هنا ويجب على الحكومات أن تتبنّاه.

إعداد: وحدة الترجمات بمركز سمت للدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى