
الانفصال الرقمي في عصر “الخوارزميات”.. لماذا ينسحب “جيل زد” من المنصات التي صنعت هويته؟
عمر غازي
في فبراير 2026 تداولت وسائل أنباء ومواقع إخبارية عالمية تقارير متزامنة عن موجة متصاعدة بين شباب “جيل زد” لحذف تطبيقات “السوشيال ميديا” والعودة إلى ما سُمّي بـ”الانفصال الرقمي”، لم تكن القصص فردية أو معزولة، بل نمطًا يتكرر في أميركا وأوروبا وآسيا، شباب وُلدوا في قلب العصر الرقمي يقررون فجأة تقليص حضورهم أو الانسحاب الكامل، يستبدلون الهواتف الذكية بأجهزة أبسط، يعودون إلى الهوايات التناظرية، ويبحثون عن مساحات صمت بعد سنوات من التدفق المتواصل، وهنا لا يصبح السؤال لماذا يستخدمون المنصات، بل لماذا بدأوا يهربون منها.
أظهر استطلاع لشركة “Deloitte” عام 2025 شمل أكثر من 4000 مشارك في بريطانيا أن نحو 25% حذفوا تطبيق تواصل اجتماعي واحدًا على الأقل خلال 12 شهرًا، وترتفع النسبة إلى قرابة الثلث بين “جيل زد”، بينما كشفت دراسة أجرتها صحيفة “Financial Times” بالتعاون مع شركة “GWI” وشملت أكثر من 250000 شخص في 50 دولة أن متوسط الوقت الذي يقضيه البالغون على المنصات تراجع بنحو 10% مقارنة بذروة 2022، وبنهاية 2024 بلغ المتوسط نحو ساعتين و20 دقيقة يوميًا، مع انخفاض أكثر وضوحًا لدى المراهقين والشباب، هذه الأرقام لا تعني نهاية المنصات، لكنها تشير إلى تحول في العلاقة معها، تحول من الاندماج الكامل إلى إعادة التفاوض.
حين نقرأ الظاهرة من زاوية نفسية، نجد أن المشكلة لا تكمن في كثرة المحتوى فقط، بل في بنيته، فقد أظهرت دراسة منشورة في “Proceedings of the National Academy of Sciences” عام 2014 أن تعديل طبيعة المحتوى المعروض على مستخدمي “Facebook” انعكس مباشرة على نبرة منشوراتهم اللاحقة، ما يعني أن ما يُعرض يؤثر في ما نكتبه، وما نكتبه هو ما يشكل سجلنا الذاتي، ومع تعاظم دور “الخوارزميات” في ترتيب ما نراه، لم يعد المستخدم يواجه سيلًا عشوائيًا من المعلومات، بل تدفقًا محسوبًا يعيد تعريف النجاح، والجمال، والمكانة الاجتماعية، ويضع معايير مقارنة شبه دائمة بين حياة واقعية غير مصقولة وصور منتقاة بعناية.
الانسحاب إذن ليس تمردًا على التقنية، بل محاولة لاستعادة السيطرة على الانتباه، وقد أظهرت أبحاث من جامعة “Harvard” أن التعرض المكثف للمحتوى المقارن يرفع مستويات القلق والشعور بالنقص لدى الشباب، في حين ربطت دراسات من جامعة “Stanford” بين كثافة الاستخدام وتراجع القدرة على التركيز العميق، نحن أمام جيل نشأ على الإشعار الفوري، والتمرير اللانهائي، والمكافأة السريعة، لكنه بدأ يكتشف أن هذا الإيقاع يستنزف قدرته على الإصغاء الداخلي، وأن الضجيج المستمر لا يترك مساحة للتفكير الهادئ.
المفارقة أن خطاب “الديتوكس الرقمي” ينتشر عبر المنصات نفسها، خصوصًا على “TikTok”، حيث يتعهد شباب بحذف التطبيقات لعام كامل، في مشهد يعكس تناقضًا معاصرًا، فالاحتجاج يحتاج إلى منصة، وإعلان الانسحاب يحتاج إلى جمهور، لكن خلف هذا التناقض تكمن حقيقة أعمق، وهي أن الجيل الذي أتقن أدوات العرض بدأ يشكك في ثمن الظهور المستمر، وفي أثر المقارنة اليومية على تقديره لذاته، وفي جدوى سباق لا نهاية له نحو صورة مثالية يصنعها الذكاء الاصطناعي ويغذيها الاقتصاد الإعلاني.
المنصات التي بدأت بوصفها مساحات للتواصل تحولت تدريجيًا إلى مساحات أداء، كل منشور عرض، وكل تفاعل رقم، وكل صورة معيار غير معلن للمقارنة، ومع الوقت يصبح الصمت رفاهية، والاختفاء فعل مقاومة، لأن “الخوارزميات” لا تكافئ الهدوء، بل تكافئ الحضور المستمر، ولا تعزز العمق، بل تعزز القابلية للتداول، وهنا يشعر بعض الشباب أن الانسحاب ليس خسارة، بل استعادة لجزء من ذاتهم.
لسنا أمام نهاية العصر الرقمي، بل أمام مرحلة إعادة تعريف العلاقة معه، فالشباب لا يرفضون التقنية في ذاتها، بل يرفضون نمطًا من الاستخدام يختزلهم في بيانات، ويقيس قيمتهم بعدد المتابعين، ويعيد تشكيل يومهم وفق منطق الترتيب الخوارزمي، ومع كل حذف لتطبيق، ومع كل تقليص لوقت الشاشة، تتشكل محاولة فردية لإعادة توزيع الانتباه، وإعادة تعريف النجاح بعيدًا عن المؤشرات الرقمية.
ويبقى السؤال مطروحًا، هل يمثل “الانفصال الرقمي” صحوة مؤقتة لجيل مرهق، أم بداية تحوّل أعمق يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان و”الخوارزميات” في العقد القادم؟



