كُتاب الترند العربيعمر غازي

هندسة الإدراك.. كيف تعيد الخوارزميات ترتيب انتباهنا اليومي؟

عمر غازي

في عام 2007 عرض الباحث “Thorsten Joachims” من جامعة “Cornell” دراسة في مؤتمر “WWW 2007” أثبتت ما يُعرف بتأثير “Position Bias” في محركات البحث، حيث أظهرت التجارب أن المستخدمين يميلون إلى النقر على النتائج الأولى حتى عندما لا تكون الأكثر صلة بالموضوع، وأن ترتيب الظهور وحده قادر على توجيه السلوك بصورة ملحوظة، لم يكن التأثير ناتجًا عن جودة المحتوى، بل عن موقعه في الصفحة، أي أن الإدراك يبدأ من الأعلى نزولًا، وأن ما يتصدر المشهد يحظى بفرصة أكبر للترسخ في الوعي، هذه النتيجة المبكرة لم تكن مجرد ملاحظة تقنية، بل كانت إشارة إلى أن ترتيب العرض يسبق الحكم العقلي ويؤثر فيه.

بعد أكثر من عقد، وفي عام 2018، نشرت مجلة “Proceedings of the National Academy of Sciences” دراسة للباحث “Chris Bail” وزملائه حول تأثير التعرض لآراء سياسية مخالفة عبر منصة “تويتر”، ووجدت أن تعريض المستخدمين لمحتوى من الطرف السياسي المقابل لم يؤد إلى الاعتدال، بل زاد من حدة الاستقطاب لدى بعض المشاركين، الدراسة لم تقل إن المنصة تُلقّن رأيًا بعينه، لكنها أوضحت أن شكل الترتيب وطبيعة العرض قد يعمّقان مواقف قائمة بدل تعديلها، أي أن طريقة إدخال المعلومات إلى ساحة الانتباه تؤثر في المسار الإدراكي الذي يسلكه الفرد.

وفي أكتوبر 2021 نشرت شركة “تويتر” نفسها نتائج بحث داخلي بعنوان “Algorithmic Amplification of Politics on Twitter” اعترفت فيه بأن خوارزمية التوصية كانت تضخّم محتوى سياسيًا معينًا في عدة دول مقارنة بخلاصة العرض الزمني البحت، التقرير أشار إلى أن طريقة ترتيب التغريدات في الخلاصة الرئيسية تؤثر في مدى انتشار نوع معين من المحتوى، ما يعني أن الخوارزمية لا تخلق الأفكار، لكنها تعيد توزيع الضوء عليها، فتمنح بعضها مساحات أوسع من الانتباه، وتترك غيرها في الظل.

في عام 2022 نشرت مجلة “Nature Human Behaviour” دراسة حول أنظمة التوصية القائمة على تعزيز التفاعل، وأشارت إلى أن النماذج التي تعتمد على تاريخ التفاعل السابق للمستخدم تميل إلى إعادة تقديم محتوى مشابه لما تفاعل معه سابقًا، ما يخلق حلقة تغذية راجعة تعزز الأنماط الإدراكية القائمة، ومع مرور الوقت يصبح التنوع أقل حضورًا في المجال المرئي للفرد، ليس لأن الخيارات غير موجودة، بل لأن الخوارزمية تعيد ترتيبها وفق سجل سابق، وهنا يتحول الماضي الرقمي إلى عامل يحدد شكل الحاضر المعروض أمام العين.

هندسة الإدراك لا تعني أن هناك جهة خفية تملي علينا ما نفكر فيه، بل تعني أن هناك بنية رقمية تعيد ترتيب مدخلات وعينا اليومي، فتجعل بعض الموضوعات تتكرر في بداية التدفق، وبعضها يتأخر، وبعضها يختفي تمامًا، والإدراك البشري بطبيعته محدود، لا يستطيع معالجة كل شيء في آن واحد، ولذلك يصبح ما يظهر أولًا وما يتكرر أكثر قابلية للتثبيت في الذاكرة، ومع الزمن يتحول التكرار إلى إحساس بالأهمية.

حين نستيقظ صباحًا ونتصفح خلاصتنا الرقمية، لا نواجه العالم كما هو، بل كما رُتّب لنا، الإشعارات، المقاطع القصيرة، العناوين البارزة، كلها نتيجة عمليات حسابية تقارن بين ملايين الاحتمالات لتحدد ما يجب أن يظهر أولًا، ومع كل تمرير للشاشة يتجدد ترتيب المشهد، ومع كل نقرة يُعاد تدريب النظام على تفضيلاتنا، فينشأ تفاعل دائري بين السلوك والاقتراح، وبين الانتباه والخوارزمية، حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما اخترناه وما اختير لنا.

اللافت أن هذا التأثير لا يعمل عبر الإكراه، بل عبر الإغراء الناعم، لا يمنعك من البحث عن موضوع معين، لكنه يجعل غيره أقرب إلى يدك، لا يحجب الرأي المخالف، لكنه يجعله أقل ظهورًا في مسارك اليومي، ومع تراكم هذا الترتيب تتشكل أولوياتنا تدريجيًا، فنعتقد أن ما يشغلنا هو الأكثر أهمية، بينما قد يكون ببساطة الأكثر حضورًا في مقدمة الشاشة.

هندسة الإدراك تعمل إذن في منطقة ما قبل الرأي، في منطقة الانتباه ذاته، فهي لا تناقش قناعاتنا مباشرة، بل تعيد ترتيب مدخلاتها، ولا تعلن عن نفسها كسلطة، لكنها تمارس تأثيرها عبر تحديد ما يُرى أولًا، وما يُعاد عرضه، وما يُختزل في عنوان سريع أو مقطع قصير، ومع الوقت يتغير الإيقاع الداخلي للوعي، فيصبح أسرع، وأكثر تشتتًا، وأشد ارتباطًا بما يحقق التفاعل الفوري.

ويبقى السؤال مطروحًا: إذا كان ترتيب النتائج قادرًا على توجيه النقر، وترتيب الخلاصات قادرًا على تضخيم محتوى دون آخر، وحلقات التغذية الراجعة قادرة على تضييق أفق ما نراه يومًا بعد يوم، فإلى أي مدى يبقى انتباهنا ملكًا لنا حقًا؟ ومتى نعترف بأن “هندسة الإدراك” لا تملي علينا ما نفكر فيه، بل تعيد ترتيب ما نراه حتى نصل إلى قناعاتنا ونحن نظن أننا وصلنا إليها وحدنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى