الخوارزمية الثقافية.. كيف تعيد خوارزميات مواقع التواصل هندسة الإدراك
عمر غازي
في مارس 2018 أعلنت شركة “فيسبوك” أن بيانات ما يصل إلى 87 مليون مستخدم ربما استُخدمت بصورة غير مشروعة في قضية “كامبريدج أناليتيكا”، الرقم صدر رسميًا عن الشركة بعد تحقيقات في الولايات المتحدة وبريطانيا، ولم تكن المسألة مجرد تسريب بيانات، بل كشفت أن المنصة كانت تبني ملفات نفسية وسلوكية دقيقة تُستخدم في توجيه رسائل سياسية مخصصة، أي أن ما يراه الفرد لم يكن عشوائيًا، بل نتيجة تحليل سابق يعاد ضخه في صورة محتوى محسوب بدقة، تلك اللحظة لم تكن أزمة تقنية فقط، بل كانت إنذارًا مبكرًا بأن آلية الترتيب نفسها قادرة على التأثير في الإدراك العام.
في الشهر ذاته نشرت مجلة “Science” دراسة للباحثين “Soroush Vosoughi” و”Debra Roy” و”Sinan Aral” من “MIT” حللت 126,000 قصة إخبارية تم تداولها على منصة “X” المعروفة سابقًا باسم “تويتر” بين عامي 2006 و2017، وخلصت إلى أن الأخبار الكاذبة كانت أكثر احتمالًا لإعادة النشر بنسبة تقارب 70% مقارنة بالأخبار الصحيحة، وأنها تنتشر بسرعة أعمق وتصل إلى عدد أكبر من المستخدمين، الدراسة أوضحت أن بنية الانتشار نفسها تكافئ المحتوى الأكثر إثارة، ما يعني أن نظام الترتيب يعيد تشكيل المجال الرمزي وفق منطق التفاعل لا وفق منطق الحقيقة.
في سبتمبر 2021 كشفت صحيفة “The Wall Street Journal” ضمن سلسلة “Facebook Files” وثائق داخلية أظهرت أن 32% من الفتيات المراهقات اللواتي شعرن بسوء تجاه أجسادهن أكدن أن تطبيق “إنستغرام” زاد هذا الشعور سوءًا، الرقم ورد في عرض بحثي داخلي للشركة نفسها، وأعادت صحيفة “The Guardian” تناول هذه المعطيات في اليوم ذاته، هنا لا نتحدث عن صورة عابرة، بل عن خوارزمية تعيد تكثيف معيار جمالي محدد عبر التكرار والتعزيز المستمر.
في 23 نوفمبر 2021 اعتمدت منظمة “اليونسكو” توصيتها بشأن “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” بموافقة 193 دولة عضو، مؤكدة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تؤثر في التنوع الثقافي وتوزيع المعرفة والعدالة الاجتماعية، هذا الاعتراف الأممي يقر بأن أنظمة التوصية لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل بنى مؤثرة في تشكيل المجال العام.
وفي تقرير “Digital News Report 2023” الصادر عن “Reuters Institute” تبين أن المنصات الاجتماعية أصبحت مصدرًا رئيسيًا للأخبار لدى الفئات الشابة في عدة دول، وأن أنظمة التوصية تؤثر في ترتيب ما يُعرض قبل أن يختار المستخدم المصدر ذاته، ما يعني أن المعرفة لا تُستهلك كما تُنتج، بل كما تُرتب وتُقدَّم، فالمحتوى الذي لا يُقترح لا يُرى، والمحتوى الذي لا يُرى لا يدخل الذاكرة العامة، وهنا يصبح الترتيب الخوارزمي عنصرًا حاسمًا في تحديد ما يُعد مهمًا.
أظهرت دراسة منشورة عام 2020 في مجلة “Nature Human Behaviour” أن أنظمة التوصية التي تعزز التفاعل تميل إلى تعميق الاستقطاب الأيديولوجي عندما تعتمد على تاريخ التفاعل السابق للمستخدمين، إذ تقارن أنماط السلوك وتعيد ضخ المحتوى المتوافق مع التوجهات السابقة، ما يخلق دائرة مغلقة بين السلوك والاقتراح، ومع الزمن تتحول هذه الدائرة إلى بيئة معرفية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها.
إذا جمعنا هذه الوقائع يتضح أن “الخوارزمية الثقافية” لا تعني استخدام الذكاء الاصطناعي في حفظ التراث أو إنتاج المحتوى الإبداعي، بل تشير إلى اللحظة التي تتحول فيها خوارزميات مواقع التواصل إلى فاعل يعيد توزيع المعنى داخل المجتمع، فهي لا تفرض رأيًا مباشرًا، لكنها تعيد ترتيب الاحتمالات، وتجعل بعض الموضوعات أقرب إلى العين، وبعضها أبعد، وبعضها غير مرئي، ومع التكرار يصبح القريب مألوفًا، والمألوف طبيعيًا، والطبيعي معيارًا.
لم تعد الثقافة اليوم تتشكل فقط عبر الكتّاب والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام التقليدية، بل عبر معادلات رياضية تحدد من يظهر أولًا ومن يتأخر، ومن يتكرر حضوره حتى يصبح جزءًا من الحس العام، فالخوارزمية لا تقول لنا ماذا نعتقد، لكنها تقول لنا ماذا نرى أولًا، ومع الزمن يتحول ما نراه أولًا إلى ما نعتقد أنه الأهم.
ويبقى السؤال: إذا كانت خوارزميات مواقع التواصل تعيد ترتيب المجال الرمزي يوميًا، وتضخم ما يحقق التفاعل، وتقصي ما لا ينسجم مع أنماط الاستهلاك السائدة، فإلى أي مدى ما زلنا نصوغ وعينا بأنفسنا، وأين تنتهي حريتنا الفردية، وأين تبدأ سلطة “الخوارزمية الثقافية” التي تعمل في صمت بينما نظن أننا نختار بحرية؟


