رمضان.. نفحاتُ الرحمةِ المُهداة

عصام محمد عبدالقادر
نضج الوعي بتفاصيل الشهر الكريم تجعلنا نفقه ماهية الإخلاص؛ إذ تتجه القلوب نحو الفهم العميق للنصوص الشرعية الواردة في أحكام الصيام؛ فيحرص الإنسان على تطبيقها، وهذا يقوم على معيار نيل نفحات الرحمة المهداة من رب السماء بلا عمد، عبر خصوصية تتفرد بها أيام شهر الرحمة، والمغفرة والعتق من النار؛ حيث السعي الدؤوب في طريق السمو، دون كلل، أو ملل؛ فالإصرار نرصده في ترقب أوقات الاستجابة؛ لذا تتغير العادات في مساقها التقليدي إلى نمط من العبادة، يجدد العزيمة، ويستنهض الهمم، ويدحر التكاسل؛ فقد بدت بوصلة القلب نشطة موجهة صوب نيل الأجر عبر بوابة السلوك، الذي يرقي من الوجدان، ويرقق الأفئدة.
نفحاتُ الرحمةِ المُهداة تقوم على عزيمة تنظيم الشعائر؛ فتأتي الصلاة؛ لتشكل ركيزة زمنية، تعمل على تحقيق فلسفة الانسجام الروحي، وتنظم أوقات الصائم، وتفعم أيامه بمزيد من نوايا العمل، الذي يخطط له، وهذا لا يحدُّ من فكرة الخلوة، التي يحدث في خضمها مراجعات، تحقق التوزان، وتورث لحظات من السكينة، والطمأنينة للقلوب، وبالطبع يتعاظم ذلك من خلال تدبر ممنهج لآيات الذكر الحكيم، بواسطة القراءة، أو الاستماع؛ حيث عمق فهم الدلالة، والتأمل، عبر فيض معان، لا تنضب، وهنا يزداد تمسك الإنسان بسياج قيمه النبيلة في معترك حياة، تزخر تفاصيلها بهموم، وأحداث، لا تنتهي فعاليتها؛ ومن ثم تتأتى فرص سانحة للاستقامة، تترجمها سلوكيات إيجابية، ناهيك عن تحصين من صغائر، يتركها الفرد؛ بغية مثوبة الذكر، والدعاء، اللذين لا يفتران على مدار الساعة.
بوابة النفحات، لا حدود لها؛ فرمضان المحبة، والتآلف يزيد من حالة الاندماج الاجتماعي، والذى نراه في صورة مبهرة في ربوع وطننا الحبيب؛ حيث يعزّز في نفوس الجميع ماهية، وفلسفة التكافل، والرحمة باعتبارهما أساس، بل معيار لرباط، وتماسك الأمة؛ فالأمر لا يعني العون المادي أكثر منه التمادي في خضم فكرة الجسد الواحد؛ فلا خشية من فاقة، ولا اعتبار لعوز؛ فالكل يستشعر الحرمان من خلال الصيام؛ لذا فإن جسور الصلة تزداد بين الناس، دون سابق معرفة، ولا ترتيب، ولا تخطيط مسبق؛ فتجد مشهد الموائد يلتهم الأنانية، وحب الذات، ويلقي بهما في غيابات جب أمراض، نهجرها في أيام الكرم، والعطاء، كما أن لغة التواصل تشاهدها في أرقى صورة؛ إذ تبدو الكلمات معزّزة للتعايش السلمي، وحائكة لنسيج المحبة.
صيام الجوارح أحدُ نفحاتِ الرحمةِ المُهداة؛ حيث ندرك العلاقة الارتباطية في إطارها الإيجابي بين فلسفة الإمساك عن المفطرات الحسية، وضبط السلوكيات، غير السوية، واستبدالها بأخرى إيجابية، نتقبلها في إطار قيمنا النبيلة؛ إذ تعمل على تقوية الحزام الأخلاقي، وسياج الشمائل؛ فتجد شتى الممارسات تدور فحواها حول الطاعات، سواءً ارتبطت بعمل حياتي، أو طاعة، تتناغم مع شاعرية بعينها؛ ومن ثم تعزز لدى الإنسان منا مفهوم استثمار الوقت فيما يقع أثره بالنفع، وهنا ندرك قيمة الصيام، وأهميته في تعضيد التوزان الانفعالي؛ فتجد للصبر وظيفية، وللحلم مكان بين الجميع، وعلى ذلك تتحول المواقف من صورتها الضاغطة إلى مناخ مفعم بالتسامح؛ لتبرهن على حياة الصائم الحق.
علينا أن نعي ضرورة عقد مجالس العلم، والمعرفة، التي تسهم في تصويب المفاهيم الخطأ، وتعزز من ماهية الإدراك الصحيح للمفاهيم، والقضايا المتعلقة بها؛ كي تصبح أيام الشهر الفصيل مليئة بالنفحات؛ فتربو الفكرة، وتخصب الخبرة، وترتقي النفس، عبر بوابة القراءة، وفي مقدمتها تلاوة القرآن الكريم، وتلقي دروس الفقه، والتبحر فيما جاء من قصص، تعزّز نصوصها بِنى المعرفة، وتجعل من تطبيقاتها عبرًا، يستلهم منها الإنسان الذكر، والعظة، ويوقن أن فعل الخيرات باب رئيس، خُلقنا من أجله، وبناءً على ذلك يتمكن الفرد من أن يطور من ذاته بصورة مستدامة، ويحسن من ممارساته، ويعكف على تحقيق غاياته المشروعة، التي تبعث في وجدانه الأمل، وبالأحرى تبنى عقولا واعية، وقلوبا رحيمة، ترى طريقها مستنيرًا.
اللهم اجعل لنا في رمضان نصيبًا من نفحات رحمتك، وبلّغنا الإخلاص والقبول، وأصلح شأننا، وبارك في أعمارنا، واكتب لنا العفو والعافية والعتق من النار، وارحم ربي أمواتنا، واغفر لهم، ونوّر قبورهم، واجعلها روضةً من رياض الجنة، واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، إنك واسع الفضل والرحمة.
المصدر: اليوم السابع



