سياسة

القاهرة والرياض تُحكمان “بوابة البحر الأحمر” وتغلقان الباب أمام طموحات أديس أبابا

الترند بالعربي – متابعات

في موقف سياسي وأمني حاسم، شددت مصر والسعودية على أن ترتيبات حوكمة البحر الأحمر يجب أن تبقى حصرًا في يد الدول المطلة عليه فقط، باعتباره ممرًا بحريًا حساسًا يتصل مباشرةً بأمن المنطقة واستقرار التجارة الدولية، وباعتباره أيضًا مساحة لا تحتمل توسيع دائرة اللاعبين خارج الجغرافيا المشاطئة، خاصة مع تصاعد التوترات في الإقليم، وتنامي محاولات بعض الأطراف غير الساحلية للبحث عن موطئ قدم في واحدة من أكثر البحار ازدحامًا بالمصالح والتحولات

اتصال دبلوماسي يضع أمن البحر الأحمر في صدارة التشاور
جاء التأكيد المصري السعودي خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ضمن إطار التشاور السياسي المستمر بين البلدين، حيث تناول الاتصال العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إلى جانب ملفات إقليمية ملتهبة، لكن البحر الأحمر تصدر النقاش بوصفه ممرًا حيويًا لا يمكن تركه عرضة لتجاذبات سياسية أو محاولات فرض أمر واقع من أطراف غير مشاطئة

وخلال الاتصال، شدد الجانبان على أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، بما يضمن حرية الملاحة وحماية خطوط التجارة، مع التأكيد أن أمن هذا الممر لا يجب أن يتحول إلى ملف مفتوح أمام أي تدخلات أو أدوار لا تستند إلى حق جغرافي مباشر، أو إلى عضوية طبيعية في منظومة الدول المشاطئة

قاعدة “الدول المطلة فقط”.. فلسفة أمنية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا
يعكس هذا الموقف فلسفة أمنية تعتبر أن الدول الساحلية هي الأكثر تضررًا من أي اضطراب، والأكثر قدرة على فهم توازنات الممر وتحدياته، والأكثر مسؤولية عن إدارة مخاطره، لذلك فإن حوكمة البحر الأحمر، وفق الرؤية المصرية السعودية، لا تُدار بمنطق “توسيع الطاولة” بقدر ما تُدار بمنطق “تحديد المسؤولية” وحماية الاستقرار من أي تشويش سياسي أو صراع نفوذ جديد

وتؤكد القاهرة، في هذا الإطار، ثوابت واضحة تقوم على قصر ترتيبات الحوكمة على الدول المشاطئة وحدها، مع رفض أي محاولات لفرض أدوار خارجية على إدارته أو التدخل في شؤونه، وهو موقف يتقاطع مع رؤية الرياض التي ترى أن أمن الممرات البحرية الحيوية لا يستقيم دون تنسيق ساحلي مباشر، ودون قواعد انضباط إقليمي تمنع الانزلاق إلى فراغ أمني أو سباق نفوذ

ما الذي فجّر النقاش؟ طموح إثيوبي يعود إلى الواجهة
يتزامن هذا الموقف مع تصريحات منسوبة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحدث فيها عن أن أمن واستقرار القرن الإفريقي يعتمدان على حصول إثيوبيا على منفذ بحري، وهو طرح أعاد إلى الواجهة ملفًا شديد الحساسية يتعلق بتداعيات فقدان إثيوبيا منفذها البحري عقب انفصال إريتريا عام 1993، ومحاولاتها المتكررة للبحث عن نافذة على البحر الأحمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة

وبينما تقدم أديس أبابا هذا الطموح في قالب اقتصادي أو جيوسياسي، ترى القاهرة والرياض أن أي تمدد غير مشاطئ نحو البحر الأحمر يحمل في طياته تعقيدات إضافية، وقد يخلق بؤر توتر جديدة في منطقة تعاني أصلًا من صراعات متشابكة وتنافسات إقليمية، ما يجعل “الترتيبات الحاكمة” ضرورة لا ترفًا سياسيًا

البحر الأحمر ليس بحرًا عاديًا.. شريان عالمي في قلب العاصفة
يمتلك البحر الأحمر مكانة استراتيجية عالمية كونه يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس، ويشكل جزءًا من أهم مسارات التجارة وسلاسل الإمداد، لذلك فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس على دوله المطلة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية، وأسعار الشحن، وتدفقات الطاقة، واستقرار الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي

ومن هنا، يصبح النقاش حول “من يحكم” البحر الأحمر نقاشًا حول “من يمنع انهياره” ومن يملك حق ترتيب قواعده الأمنية والسياسية، ومن يضمن ألا يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة تتعدد فيها الأجندات وتتشابك المصالح

توترات متراكمة تجعل الحوكمة مسألة عاجلة
شهدت منطقة البحر الأحمر توترات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، بفعل الصراعات في اليمن والسودان، والهجمات على الملاحة، وتداخل الأزمات السياسية والأمنية، إضافة إلى تصاعد التنافس الإقليمي، الأمر الذي جعل الدول المشاطئة أكثر حساسية تجاه أي محاولات لإضافة أطراف جديدة إلى معادلة الإدارة أو الحضور السياسي

وفي المقابل، ترى مصر أن أمن البحر الأحمر يرتبط بصورة وثيقة بأمن قناة السويس وباستقرار حركة التجارة، وبمنع أي تحولات قد تفتح الباب أمام ضغط جيوسياسي جديد يؤثر على مصالحها الحيوية، فيما تنظر السعودية إلى الممر بوصفه عمقًا استراتيجيًا يتصل بأمنها البحري وباستقرار المنطقة الاقتصادية والسياحية المتنامية على سواحلها الغربية

آلية إقليمية قائمة.. وتأكيد على مركزية الدول الساحلية
ضمن هذا السياق، تراهن الدول المشاطئة على الأطر الإقليمية التي تضمن لها إدارة الملف بصورة منضبطة، وعلى تعزيز العمل المشترك، بحيث تصبح قواعد الحوكمة واضحة، ويصبح التنسيق أوسع، وتصبح أي محاولات للتدخل أو فرض الأدوار بلا أساس عملي أو سياسي

ويعني ذلك أن الرسالة ليست موجهة لدولة بعينها فقط، بل موجهة لكل من يفكر في التعامل مع البحر الأحمر كمساحة قابلة لإعادة الترتيب وفق مصالح خارجية، دون اعتبار لحساسية الجغرافيا وحقوق الدول الساحلية، أو لتوازنات الأمن البحري التي ترتبط بوجود الدول المشاطئة في قلب الإدارة

غزة ضمن التشاور.. أولوية وقف الموت وتثبيت الاستقرار
على هامش ملف البحر الأحمر، تطرّق الاتصال كذلك إلى تطورات القضية الفلسطينية، حيث أكد الجانبان أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في وقف الموت في غزة، وتثبيت الاستقرار، وبدء مسار التعافي وإعادة الإعمار، مع التركيز على ما يضمن تدفق المساعدات الإنسانية بصورة كاملة، وبما يحافظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ويمنع انزلاق الوضع إلى موجات تصعيد جديدة

ويعكس هذا التناول تزامن الملفات في المنطقة، فاضطراب غزة لا ينفصل عن اضطراب البحر الأحمر، ولا عن التوترات التي تؤثر في أمن الممرات البحرية وحركة التجارة، لذلك يأتي التشاور في صورة حزمة واحدة من القضايا المتصلة بأمن المنطقة واستقرارها

السودان حاضر في النقاش.. هدنة إنسانية ومسار سياسي سوداني خالص
كما تناول الاتصال التطورات في السودان، مع التشديد على ضرورة تكثيف الجهود للوصول إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية سودانية خالصة ذات ملكية وطنية، بما يحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، في ظل إدراك أن استمرار النزاع يضاعف من المخاطر الإقليمية، ويزيد من هشاشة ساحل البحر الأحمر ويؤثر على الاستقرار العام في المنطقة

لماذا يُقرأ الموقف بوصفه “ردًا حاسمًا”؟
يُفهم التشديد المصري السعودي على “حصر الحوكمة في الدول المطلة” باعتباره ردًا استباقيًا على أي محاولات مستقبلية لإعادة تعريف قواعد البحر الأحمر، أو توسيع دائرة النفوذ فيه تحت عناوين اقتصادية أو أمنية، فالمعادلة التي يطرحها الطرفان تقوم على أن الاستقرار لا يتحقق عبر إضافة أطراف جديدة إلى ملف معقد، بل يتحقق عبر ضبط قواعده، وتقوية التنسيق بين دوله الساحلية، ومنع خلق مسارات توتر إضافية

كما أن هذا الموقف يحمل رسالة سياسية مفادها أن البحر الأحمر ليس مساحة قابلة لإعادة توزيع النفوذ دون توافق الساحليين، وأن أي طموح غير مشاطئ يجب أن يُقرأ في ضوء حساسية الأمن الإقليمي، لا في ضوء سردية “الحاجة إلى منفذ” فقط، لأن الممر البحري لا يُدار بمنطق الحاجات الفردية، بل بمنطق التوازنات المشتركة

ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟ سيناريوهات مفتوحة لكن بسقف واضح
من المتوقع أن يستمر هذا الملف في توليد نقاشات إقليمية، خاصة مع استمرار التوترات في محيط البحر الأحمر، ومع تصاعد الاهتمام الدولي بالممرات البحرية، لكن السقف الذي تضعه القاهرة والرياض يبدو واضحًا، وهو أن أي ترتيبات تخص الحوكمة يجب أن تمر عبر الدول المشاطئة وحدها، وأن أي محاولة لتجاوز هذا المبدأ ستُقابل برفض سياسي صريح

وفي المقابل، قد تتجه الدول الساحلية إلى تعزيز التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات حماية الملاحة، بما يقلل من فرص توظيف البحر الأحمر كساحة ضغط أو صراع، ويحصّن الممر ضد محاولات التسييس أو التدويل غير المنضبط

الأسئلة الشائعة
ما جوهر الموقف المصري السعودي بشأن البحر الأحمر؟
الجوهر هو قصر ترتيبات حوكمة البحر الأحمر وإدارته على الدول المطلة عليه فقط، ورفض أي أدوار أو تدخلات من دول غير مشاطئة

لماذا ترفض القاهرة والرياض مشاركة دول غير مطلة في الحوكمة؟
لأن البحر الأحمر ممر حساس أمنيًا واقتصاديًا، وإدخال أطراف غير مشاطئة قد يفتح الباب لتوترات إضافية ويعقّد إدارة المخاطر في منطقة مضطربة أصلًا

هل يعني ذلك رفض التعاون الدولي لحماية الملاحة؟
لا، الفكرة تتعلق بالحوكمة واتخاذ القرار وترتيب قواعد الإدارة، أما التعاون الفني أو الأمني فيمكن أن يتم ضمن أطر واضحة تقودها الدول المشاطئة وتحدد شروطه

ما علاقة الطموح الإثيوبي بعودة الملف للواجهة؟
لأن الحديث عن “منفذ بحري” يعيد طرح أسئلة حول دور دول غير مشاطئة في البحر الأحمر، وهو ما ترفضه مصر والسعودية باعتباره خارج قواعد الجغرافيا الساحلية وحقوق الدول المطلة

كيف يرتبط هذا الملف بتوترات الإقليم مثل غزة والسودان؟
لأن الأزمات الإقليمية تزيد من هشاشة الأمن البحري، وتضاعف مخاطر اضطراب الملاحة، لذلك يأتي التشاور ضمن رؤية أشمل لخفض التصعيد وحماية الاستقرار في المنطقة

اقرأ أيضًا: صعود السوق السعودية ينعش أداء البورصات الخليجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى