كُتاب الترند العربيعمر غازي

التمثيل.. حين تصبح طبيعيًا أكثر من اللازم

عمر غازي

في البداية، لا تقرر أن تمثّل.
الأمر يحدث بهدوء، دون نية واضحة.
تتعلم كيف تردّ الرد المناسب،
وكيف تضحك في التوقيت الصحيح،
وكيف تقول إنك بخير وأنت لا تفكر كثيرًا في معنى الكلمة.

التمثيل يبدأ كحل عملي.
طريقة لتفادي الأسئلة،
ولتجاوز المواقف دون احتكاك،
وللاستمرار دون شرح زائد.

ثم يتحول إلى عادة.

تدرك أنك تعرف ما يُنتظر منك في كل مشهد.
كيف تتصرف في العمل،
وكيف تبدو في اللقاءات،
وكيف تُظهر الاهتمام دون أن تشعر به فعلًا.
كل شيء محسوب،
ومقبول،
وغير ملفت.

وهذا ما يجعله خطيرًا.

لأن التمثيل الناجح لا يُكتشف.
لا يثير الشك،
ولا يلفت الانتباه،
ولا يطلب تصحيحًا.

أنت تؤدي الدور بإتقان،
حتى تنسى أنه دور.

تلاحظ أنك لم تعد تسأل:
هل هذا ما أريده؟
بل:
هل هذا ما يجب أن أفعله الآن؟

تتصرف بطريقة “طبيعية” إلى درجة أن أحدًا لا يشك.
ولا حتى أنت.

التمثيل لا يعني الكذب.
هو أقرب إلى حذف الزوايا الحادة من شخصيتك.
تخفف حدّة اعتراضك،
تؤجل رأيك،
وتبتلع ردودًا كنت ستقولها يومًا دون تردد.

ليس خوفًا،
ولا ضعفًا،
بل حفاظًا على الإيقاع.

ومع الوقت،
يصبح الخروج عن الدور مرهقًا.
الصراحة تحتاج طاقة،
والاختلاف يحتاج استعدادًا،
وأنت بالكاد تملك ما يكفي للاستمرار.

العالم يكافئ الممثلين الجيدين.
يحب من ينسجم،
ومن لا يعقّد الأمور،
ومن يعرف كيف يكون “سلسًا”.

لكن لا أحد يسأل عن ثمن هذا السلاسة.

تكتشف فجأة أنك تؤدي حياتك أكثر مما تعيشها.
أنك حاضر في المشهد،
لكن بعيد عن الإحساس.

وأن أكثر ما يربكك ليس أن تُساء فهمك،
بل أن تُفهم تمامًا…
وأنت لا تشبه ما يُفهم.

وأخطر ما في التمثيل…
أنه لا يجعلك شخصًا آخر،
بل يجعلك تنسى
متى توقفت عن أن تكون نفسك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى