من الصميل إلى موائد اليوم.. حكاية خضّ اللبن التي صمدت عبر القرون في جنوب السعودية
الترند بالعربي – متابعات
في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتبدل أنماط الحياة، تظل بعض المهن التراثية صامدة بوصفها جزءًا حيًا من الذاكرة الثقافية والهوية المحلية. ومن بين هذه المهن العريقة تبرز مهنة «خضّ اللبن» في منطقة الباحة جنوب المملكة العربية السعودية، بوصفها واحدة من أقدم الممارسات المرتبطة بالحياة الريفية وتربية المواشي، والتي لم تكن مجرد وسيلة لإنتاج الغذاء، بل نمط حياة متكامل يعكس علاقة الإنسان ببيئته ومجتمعه.
هذه المهنة التي ارتبطت بالمرأة الريفية لقرون طويلة، لم تكن عملًا منزليًا عابرًا، بل ممارسة يومية تتطلب مهارة وصبرًا وقوة بدنية، وتحمل في طياتها أبعادًا اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة.
خضّ اللبن.. حين كان الغذاء يُصنع باليد
قبل ظهور المصانع الحديثة وتقنيات إنتاج الألبان، كان إعداد مشتقات الحليب يتم بالكامل داخل المنازل والمزارع. وكانت الأسر في الباحة تعتمد على مواشيها بوصفها مصدرًا رئيسيًا للغذاء، خاصة الحليب ومشتقاته.
عملية خضّ اللبن تبدأ منذ لحظة حلب الماشية. فالحليب الطازج يُجمع بعناية، ثم يُترك ليتخثر في درجات حرارة طبيعية تختلف باختلاف المواسم. بعد ذلك تبدأ مرحلة الخضّ، وهي المرحلة الأكثر جهدًا، حيث يُرجّ الحليب بشكل متواصل حتى تنفصل الزبدة عن اللبن.
هذه العملية التي قد تستغرق وقتًا طويلًا كانت تُنجز يوميًا تقريبًا، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من الروتين المنزلي للأسر الريفية.

دور المرأة.. عمود المهنة الفعلي
برزت المرأة في منطقة الباحة بوصفها العنصر الأساسي في هذه المهنة. فهي التي تحلب، وتجمع، وتخزن، وتخض، وتحوّل اللبن إلى منتجات متعددة.
النساء لم يكنّ مجرد منفذات للعمل، بل حافظات للخبرة المتوارثة. فطرق معرفة توقيت التخثر، ودرجة الحرارة المناسبة، ومدة الخضّ، كلها معارف تنتقل شفهيًا من جيل إلى جيل.
هذه المعرفة التقليدية شكلت مدرسة غير مكتوبة في إدارة الغذاء والموارد، وأسهمت في استدامة الأسر الريفية لسنوات طويلة.
الصميل.. الأداة التي صنعت الفارق
أبرز رمز في مهنة خضّ اللبن هو إناء «الصميل». هذا الإناء لم يكن مجرد وعاء، بل أداة مصممة بعناية من مواد البيئة المحلية.
النوع الأول من الصميل يُصنع من جلود الضأن أو الماعز المدبوغة. تُخاط أطراف الجلد وتُربط بشرائح جلدية بحيث تتشكل هيئة وعاء مرن، بينما تبقى الرقبة بوصفها فوهة يُملأ منها الحليب.
هذا الشكل يسمح بتحريك الإناء بسهولة أثناء الخضّ، ويمنح الجلد مرونة تساعد على فصل الزبدة.
أما النوع الثاني فهو صميل معدني أسطواني، له غطاء محكم ومماسك، ويُربط بحبال إلى حامل خشبي مكوّن من ثلاثة أعمدة. هذا التصميم يسهل الحركة الدائرية المنتظمة أثناء الخضّ.

الأهازيج.. موسيقى العمل اليومي
لم تكن عملية الخضّ صامتة. فقد ارتبطت بأهازيج نسائية شعبية تؤديها النساء أثناء العمل. هذه الأهازيج كانت تخفف عناء الجهد البدني، وتخلق أجواء اجتماعية دافئة، خاصة عندما تشارك أكثر من امرأة في الخضّ.
الأهازيج لم تكن مجرد غناء، بل وسيلة لنقل القصص والحكم والأمثال، ما جعل المهنة تحمل بعدًا ثقافيًا يتجاوز إنتاج الغذاء.
من اللبن إلى السمن والإقط
نتيجة خضّ اللبن لا تقتصر على الزبدة فقط. فالزبدة تُستخدم لاحقًا لإنتاج السمن البلدي، أحد أهم المنتجات الغذائية في المطبخ السعودي التقليدي.
كما يُستخدم اللبن في الشرب أو في إعداد أطعمة متعددة. ومنه أيضًا يُصنع «الإقط» وهو منتج لبني مجفف اشتهرت به مناطق الجنوب.
هذه المنتجات شكلت أساس الأمن الغذائي للأسر الريفية، ووفرت مصادر طاقة وغذاء مناسبة للبيئة الجبلية والزراعية.

المهنة خارج حدود البادية
رغم ارتباط خضّ اللبن بالبادية وتربية المواشي، إلا أنها لم تكن حكرًا عليهم. كثير من الأسر الزراعية في القرى مارست هذه المهنة بوصفها جزءًا من نمط الحياة الزراعية المتكاملة.
فالأسرة التي تملك بضع رؤوس من الماشية يمكنها إنتاج احتياجاتها من الألبان ومشتقاتها دون الاعتماد على الأسواق.
تحول المهنة إلى نشاط اقتصادي
مع تطور مفهوم الأسر المنتجة، تحولت بعض الممارسات التقليدية إلى مصدر دخل. كثير من الحِرَفيات في الباحة اليوم يشاركن في المهرجانات والأسواق الشعبية لعرض منتجات الألبان التقليدية.
هذه المشاركة لا تهدف للبيع فقط، بل للتعريف بالموروث المحلي وإحيائه.
رؤية 2030 وإحياء التراث
في إطار رؤية السعودية 2030، برز اهتمام متزايد بصون التراث الوطني وتحويله إلى عنصر تنموي. الحرف التقليدية، ومنها خضّ اللبن، أصبحت جزءًا من هذا التوجه.
المهرجانات التراثية والأسواق الشعبية باتت منصات لعرض هذه الممارسات وتعريف الأجيال الجديدة بها.
الباحة.. خزان تراثي حي
منطقة الباحة تُعد من أغنى مناطق المملكة بالحرف والصناعات اليدوية. وجود أكثر من 200 حرفي يعملون في نحو 20 نوعًا من الحرف يعكس حيوية المشهد التراثي هناك.
هذا التراث لا يُعرض بوصفه ماضيًا فقط، بل حاضرًا حيًا يمارسه الناس ويعتزون به.
العلاقة بين الإنسان والمكان
خضّ اللبن مثال واضح على العلاقة العميقة بين الإنسان وبيئته. فالمهنة نشأت من الحاجة، وتطورت من خلال التكيف مع الموارد المتاحة.
الجلود، الحبال، الخشب، كلها مواد من البيئة المحلية. حتى الإيقاع الحركي للخضّ يتوافق مع طبيعة الحياة اليومية.
التوازن بين الحداثة والتراث
رغم توفر المنتجات الصناعية اليوم، لا تزال بعض الأسر تفضل المنتجات التقليدية لنكهتها وجودتها. هذا التفضيل يمنح المهنة فرصة للاستمرار.
التحدي يكمن في نقل المعرفة للأجيال الجديدة في ظل تغير أنماط الحياة.
قيمة غذائية وثقافية
المنتجات التقليدية ليست مجرد طعام، بل تحمل قيمة صحية أيضًا. كثيرون يرون أن السمن البلدي واللبن التقليدي أكثر طبيعية من المنتجات المصنعة.
إلى جانب ذلك، تحمل هذه المنتجات قيمة رمزية في الضيافة والمناسبات.
التراث كهوية
المهن التقليدية تشكل جزءًا من هوية المجتمع. عندما تُمارس، فهي تحافظ على ذاكرة المكان وتمنح الأجيال شعورًا بالانتماء.
خضّ اللبن ليس مجرد تقنية، بل قصة مجتمع.
هل يمكن تحديث المهنة؟
بعض المبادرات تسعى لتطوير الأدوات التقليدية دون فقدان روحها، مثل استخدام مواد حديثة آمنة غذائيًا مع الحفاظ على الأسلوب التقليدي.
هذا التحديث قد يساعد في جعل المهنة أكثر جاذبية للشباب.
دور التعليم والتوثيق
توثيق هذه الممارسات عبر البرامج التعليمية والمتاحف والمحتوى الرقمي يساعد في حفظها من الاندثار.
التوثيق لا يعني تجميدها، بل إبقاءها حية في الوعي العام.
استدامة اقتصادية ممكنة
السياحة الثقافية تفتح بابًا مهمًا لدعم هذه المهن. الزوار غالبًا يبحثون عن تجارب أصيلة، وخضّ اللبن تجربة ثرية بصريًا وثقافيًا.
المستقبل بين الأيدي
استمرار هذه المهنة يعتمد على رغبة المجتمع في الحفاظ عليها. عندما يرى الناس قيمتها، فإنها تستمر.
ما هو خضّ اللبن؟
عملية تقليدية لفصل الزبدة عن اللبن عبر الرجّ المستمر.
ما هو الصميل؟
إناء تقليدي يُستخدم لخضّ الحليب، مصنوع من الجلد أو المعدن.
من كان يمارس المهنة غالبًا؟
النساء في المجتمعات الريفية.
ما أهم المنتجات الناتجة؟
الزبدة، السمن، الإقط، واللبن.
هل لا تزال المهنة موجودة؟
نعم، خصوصًا في المهرجانات والأسواق التراثية.
في النهاية، تبقى مهنة خضّ اللبن شاهدًا على قدرة المجتمعات على ابتكار حلول بسيطة من بيئتها، وعلى تحويل الحاجة اليومية إلى تراث ثقافي غني. وبينما تتغير الأزمنة، تظل مثل هذه الممارسات تذكيرًا بأن الهوية تُصنع من تفاصيل الحياة الصغيرة التي يحرص الناس على صونها.
اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء


