
المقارنة.. الانتحار الخفي
عمر غازي
في البداية، لا تبدو المقارنة مؤذية.
هي مجرد نظرة سريعة، مرور عابر، فضول طبيعي.
ترى ما حققه الآخرون، أين وصلوا، كيف يعيشون.
ثم تكمل يومك.
لكن المقارنة لا تعمل بهذه البراءة.
هي لا تأتي دفعة واحدة،
بل تتسلل.
تدخل بينك وبين ما تملكه،
وبينك وبين ما أنجزته،
وبينك وبين نفسك أصلًا.
تبدأ في قياس أشياء لم تكن تفكر في قياسها من قبل.
الوقت، السرعة، الشكل، التقدم، عدد الخطوات، عدد الإعجابات، عدد السنوات التي “تأخرت” فيها عن جدول غير مكتوب.
وفجأة، يصبح ما كان كافيًا… غير كافٍ.
المقارنة لا تخبرك أنك فاشل.
هي أذكى من ذلك.
تجعلك تشعر أنك متأخر فقط.
وهذا الإحساس أكثر فتكًا.
لأن المتأخر لا يملك رفاهية الرضا،
ولا شجاعة التوقف،
ولا وضوح الطريق.
كل شيء يبدو سباقًا،
حتى الأشياء التي لم تكن يومًا كذلك.
التعلّم، التجربة، الهدوء، حتى الفشل…
صار لها ترتيب، ومن يتجاوزك فيها يبدو وكأنه سبقك في الحياة كلها.
المشكلة أن المقارنة لا تراعي السياق.
لا تسأل من أين بدأت،
ولا ماذا واجهت،
ولا كم مرة توقفت لتفهم.
هي تقارن النتيجة فقط…
وتحذف القصة.
ومع الوقت، تفعل شيئًا أخطر:
تجعلك تشك في رغباتك.
هل ما أريده حقًا لي؟
أم لأن الجميع يريده؟
هل هذا طموحي؟
أم طموح العدسة التي أنظر منها؟
تصل إلى مرحلة غريبة.
لا تعرف لماذا تسعى،
ولا لماذا تشعر بالضغط،
ولا لماذا لا تشعر بالرضا حتى حين تتحسن الأمور.
المقارنة لا تسرق منك الثقة دفعة واحدة.
تسرق منك المرجع.
لم تعد تقيس نفسك بنفسك،
بل بنسخ منتقاة من الآخرين،
في لحظات منتقاة،
بزوايا منتقاة.
وهنا تفقد البوصلة.
لا شيء يبدو في مكانه.
لا الإنجاز يرضيك،
ولا التوقف يريحك،
ولا الاستمرار يبدو كافيًا.
المقارنة لا تطلب منك أن تكون أفضل،
بل تطلب منك أن تكون غيرك.
وهذا طلب مستحيل…
ومُرهق بما يكفي ليُنهك أي شخص.
وأخطر ما في المقارنة؟
أنها لا تجعلك تكره الآخرين…
بل تجعلك تتعب من نفسك بصمت.



