كُتاب الترند العربي

حمدالله وبنزيما… نجم في الملعب وآخر في العناوين

عبدالعزيز بن خالد العمران

اختيار فريق العمل ليس قرارًا فنيًا عابرًا، ولا خطوة إجرائية تُتخذ بدافع الحاجة الآنية، وإنما قرار قيادي يحدد مسار المنظومة على المدى المتوسط والطويل ففي لحظة الاختيار، لا تُحسم أسماء الأفراد ووهجهم فقط، بل تُرسم ملامح الثقافة، ويُحدد اتجاه الأداء: بناء هادئ ومستدام، أو استعراض قصير الأجل.

في عالم الإدارة، كثير من الإخفاقات لا تعود إلى ضعف الكفاءة، بل إلى سوء المواءمة بين الفرد والمنظومة، وتجربة نادي الاتحاد السعودي خلال السنوات الأخيرة تقدّم نموذجًا واضحًا لهذا الخلل، ليس بوصفه جدلًا رياضيًا، بل درسًا إداريًا قابلًا للتعميم.

عندما انضم المغربي عبدالرزاق حمدالله إلى الاتحاد، لم يكن النادي في أفضل حالاته فريق مثقل بالضغوط، بعيد عن المنافسة، يعيش حالة عدم استقرار إداري وفني، ويبحث عن استعادة هويته قبل البحث عن البطولات جاء حمدالله في هذا السياق دون ضجيج، وبراتب أقل من قيمته السوقية، وفي مرحلة لا تُغري النجوم الباحثين عن الأضواء أو الضمانات.

في تلك المرحلة، لم يكن أمامه سوى العمل ورغم العثرات، ورغم التشكيك، ورغم غياب التقدير في محطات متعددة، تعامل حمدالله مع الواقع بوصفه “تحديًا” لم ينظر إلى الظروف باعتبارها عائقًا، على العكس جعلها  حافزًا، وانعكست هذه العقلية في التزامه، وانضباطه، وأدائه داخل الملعب الذي اهله ليكون عنصر استقرار وتوازن داخل الفريق، لاعبًا يعرف دوره، ويحترم المنظومة، ويضع الفريق قبل اسمه.

خلال فترة قصيرة نسبيًا، لم تتجاوز ستة أشهر منذ انضمام عبدالرزاق حمدالله إلى الاتحاد، بدأ أثره يظهر بوضوح، وفي الموسم التالي تُوِّج الفريق ببطولة دوري روشن، في إنجاز لم يكن وليد الموهبة وحدها، وإنما ثمرة منظومة عمل كان حمدالله أحد أعمدتها الأساسية.

بعد هذا التتويج، دخل الاتحاد مرحلة جديدة مع استقطاب كريم بنزيما، اسم عالمي، وسيرة ذاتية استثنائية، وحائز على الكرة الذهبية من حيث التاريخ والنجومية، بدا القرار منطقيًا، وربما مغريًا جماهيريًا وتسويقيًا غير أن هذا الانتقال لم يكن مجرد إضافة فنية، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الأدوار داخل الفريق.

سحب الرقم 9 من حمدالله ومنح لبنزيما لم يكن إجراءً شكليًا، بل رسالة رمزية أعادت ترتيب المشهد هنا بدأت مرحلة مختلفة مرحلة المنافسة المباشرة على المركز، بين لاعب بنى مكانته بالأداء والعمل، ونجم عالمي جاء محمّلًا بتاريخ واسم كبيرين.

في هذه المرحلة، لم يتعامل حمدالله مع وجود أفضل لاعب في العالم بوصفه نهاية للمنافسة، بل بدا وكأن التحدي ازداد وضوحًا واصل العمل، والتدريب، والالتزام، وفرض نفسه في أكثر من محطة لاعبًا أساسيًا، فيما جلس بنزيما على دكة الاحتياط في لحظات فارقة لم يكن ذلك انتصارًا شخصيًا، بل نتيجة منطقية لعقلية ترى أن المكان يُكتسب بالأداء، لا بالسيرة الذاتية.

ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة قرارًا فنيًا فقط، بل تحولت إلى موقف جماهيري، الجماهير، التي تنحاز غالبًا لمن يعمل ويقاتل داخل الملعب، بدأت تطالب بحمدالله، وتدعمه، انحيازًا للانضباط والعطاء والنتيجة، دون أن يكون ذلك رفضًا لبنزيما وهنا تتجلى المفارقة بوضوح الاسم الكبير يصنع العناوين، والأداء الحقيقي يصنع الشرعية.

لم تكن المشكلة في قدرة بنزيما الفنية، وإنما في موقعه داخل منظومة كانت في طور البناء، لا الاستعراض تباين في التوقعات، وصعوبة في الاندماج، وتوتر في العلاقة، انتهت بخروج اللاعب وانتقاله إلى المنافس المباشر، في مشهد أكد أن الخلل لم يكن في المهارة، وإنما في سوء التقدير الإداري.

الدرس القيادي هنا واضح الفرق الناجحة لا تُبنى بأفضل الأسماء، وإنما بأفضل التوليفات ليست كل كفاءة مناسبة لكل مرحلة، ولا كل نجم يصلح لكل منظومة عبدالرزاق حمدالله كان ملائمًا لمرحلة تتطلب العمل تحت الضغط، والانضباط، وبناء الثقة من الداخل، في حين جاء بنزيما في توقيت لم تكن فيه المنظومة مهيأة لاستيعاب نجم بحجمه ومتطلباته.

في الإدارة، كما في الرياضة، الاختيار الخاطئ لا يُقاس بسوء النية، بل بسوء التقدير فالقائد الحقيقي هو من يوازن بين المهارة والسياق، بين الاسم والدور، وبين ما يريده الفرد وما تحتاجه المؤسسة.

يدرك القارئ الواعي بأن المؤسسات اليوم، بكل أشكالها، بحاجة إلى إعادة النظر في معايير الاستقطاب، المطلوب ليس أسماء براقة تملأ العناوين، بل عقليات تشبه عبدالرزاق حمدالله: تؤمن بالتحدي، تعمل بصمت، تحترم المنظومة، وتفرض نفسها بالأداء لا بالمطالب فالأسماء الكبيرة لا تفشل دائمًا، لكنها لا تنجح دائمًا أيضًا، والنجاح المستدام تصنعه العقول المناسبة في التوقيت المناسب، وهذا درس يتجاوز حدود الملاعب، ليصل إلى كل قائد، وكل مسؤول استقطاب، وكل مؤسسة تبحث عن الفوز… والاستمرار.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى