
الذهب..لغة الخوف القديمة
حميد عوض العنزي
في كل حضارةٍ عرفها الإنسان، وفي كل زمنٍ حاول أن يؤمّن فيه مستقبله، كان الذهب حاضرًا بوصفه أكثر من مجرد معدن نفيس؛ كان فكرةً متجذّرة، ورمزًا قديمًا لعلاقة البشر بالقيمة والخوف والاستمرارية، اللافت أن الذهب لا يُؤكل ولا يُشرب ولا يدفئ جسدًا، ومع ذلك ظلّ، عبر آلاف السنين، أكثر ما يُخزَّن، ويُحرس، ويُتنازع عليه.
تبدأ قصة الذهب من خصائصه الفيزيائية قبل أي شيء آخر. فهو نادر، لا يصدأ، لا يتآكل، ولا يفقد بريقه مع الزمن، وكأنه يقف على هامش قوانين الفناء التي تحكم كل ما حولنا. هذا الثبات جعل العقل البشري، منذ بداياته الأولى، يربط بين الذهب والبقاء، وبين امتلاكه والقدرة على مواجهة مستقبلٍ غير مضمون. ما لا يفسده الزمن، يصلح ليكون وعاءً للقيمة.
ثم يأتي العامل النفسي، فالبشر لا يقيسون الأشياء بذاتها، بل بمقارنتها بغيرها، وحين اكتشفوا أن الذهب نادر، قابل للتجزئة، سهل النقل، ومرغوب لدى الجميع، تحوّل تلقائيًا إلى لغةٍ مشتركة للقيمة، لم يختر الإنسان الذهب إعجابًا بلونه، بل لأنه كان حلًا ذكيًا لمشكلة قديمة: كيف نحفظ جهدنا اليوم ليحمينا غدًا؟
أما تخزين الذهب، فهو انعكاس مباشر للخوف، فالذهب لم يكن يومًا زينة فقط، بل مخزنًا للطمأنينة في مواجهة المجاعات، والحروب، وانهيار الدول. ولهذا لم يثق الإنسان بالكامل في العملات الورقية مهما تطورت، لأنها تقوم على الوعد، بينما يقوم الذهب على الوجود.
وفي العمق، يمكن القول إن الذهب ينجح حيث تفشل الأنظمة؛ لأنه لا يحتاج إلى حكومة، ولا توقيع، ولا خطاب سياسي ليكون ذا قيمة هو شاهدٌ صامت على أن الغريزة البشرية، حين تبحث عن الأمان، تعود دائمًا إلى ما هو نادر، ثابت، وغير قابل للكذب، ولهذا أحببنا الذهب… وربما لهذا لن نتخلى عنه أبدًا.
المصدر: سبق



