سياسةمصر

بين الحقوق التاريخية وضغوط الواقع.. هل يتحول نهر النيل إلى سلعة سياسية؟

الترند بالعربي – متابعات

تعود قضية سدّ النهضة إلى واجهة النقاش الإقليمي مجددًا، لكن هذه المرة عبر زاوية مختلفة تتعلق بمستقبل مفهوم “الحق المائي” ذاته. ففي ظل جمود المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، برزت تحذيرات من اتجاه قد يحوّل مياه نهر النيل من مورد مشترك إلى سلعة خاضعة لمنطق البيع والشراء، وهو طرح يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا في المنطقة.

الحديث عن “بيع المياه” لا يظهر في صورة اتفاق رسمي، بل في تحليلات يطرحها متخصصون يرون أن بعض التحركات الإثيوبية قد تقود عمليًا إلى إعادة تعريف العلاقة مع دولتي المصب من شراكة مائية إلى علاقة مورد ومشترٍ.

من أزمة فنية إلى سؤال سيادي

ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير لم يعد مجرد نقاش تقني حول سنوات الملء أو قواعد التشغيل، بل تحول إلى قضية سيادية تمس الأمن القومي المائي لدول الحوض. فالنيل بالنسبة لمصر ليس موردًا اقتصاديًا فقط، بل شريان حياة يرتبط بالزراعة والغذاء والطاقة والسكان.

في هذا السياق، يرى خبراء أن أي تغيير في فلسفة إدارة النهر من “تقاسم منافع” إلى “تسعير موارد” قد يخلق سابقة خطيرة في الأنهار الدولية حول العالم.

بين الحقوق التاريخية وضغوط الواقع.. هل يتحول نهر النيل إلى سلعة سياسية؟
بين الحقوق التاريخية وضغوط الواقع.. هل يتحول نهر النيل إلى سلعة سياسية؟

أطروحة “تسليع المياه” من أين جاءت؟

عدد من المتخصصين المصريين في شؤون المياه والقانون الدولي طرحوا فكرة أن التعنت في المفاوضات قد يكون مرتبطًا برغبة غير معلنة في إعادة توزيع الحصص التاريخية، بما يفتح الباب لاحقًا لترتيبات اقتصادية تتعلق بالمياه أو بالكهرباء الناتجة عن السد.

هذا الطرح لا يستند إلى إعلان إثيوبي رسمي ببيع المياه، بل إلى قراءة سياسية لمسار التفاوض واتفاقيات الإطار التعاوني في حوض النيل، التي تسعى بعض دول المنبع من خلالها لإعادة صياغة قواعد تقاسم الموارد.

ماذا يقول القانون الدولي؟

القانون الدولي للمجاري المائية يقوم على مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول” وليس على مبدأ الملكية الفردية للمياه. اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية تؤكد أن الأنهار المشتركة موارد عابرة للحدود تخضع للتعاون لا للتملك.

وفق هذا الإطار، لا يمكن قانونيًا اعتبار دولة منبع “بائعًا” للمياه ولا دولة مصب “مشتريًا”، لأن المياه بطبيعتها مورد مشترك يخضع لمعادلات التوازن والاحتياجات وعدم الإضرار الجسيم بالآخرين.

الحقوق التاريخية في ميزان الجدل

تتمسك مصر بفكرة “الحقوق التاريخية المكتسبة”، معتبرة أن استخدامها الطويل والمستقر لمياه النيل عبر قرون يمنحها وضعًا قانونيًا خاصًا. في المقابل، ترى إثيوبيا أن الاتفاقيات القديمة لم تكن منصفة لدول المنبع.

هذا الخلاف بين “الحقوق التاريخية” و“إعادة التوزيع العادل” يمثل جوهر الصراع القانوني والسياسي حول السد، وهو ما يجعل أي حديث عن بيع المياه مسألة شديدة الحساسية.

هل يمكن فعلاً بيع مياه نهر دولي؟

نظريًا، يمكن للدول أن تتبادل المنافع الاقتصادية المرتبطة بالمياه، مثل شراء الكهرباء المولدة من السدود أو الاستثمار المشترك في مشروعات مائية. لكن تحويل المياه نفسها إلى سلعة تُسعَّر وتُباع بين دول النهر أمر يصطدم بالمنظومة القانونية الدولية.

لهذا يرى كثير من الخبراء أن سيناريو “بيع المياه” بالمعنى الحرفي يظل مستبعدًا قانونيًا، وإن كان يُستخدم سياسيًا للضغط أو للتحذير من مسارات تفاوضية غير متوازنة.

بين الحقوق التاريخية وضغوط الواقع.. هل يتحول نهر النيل إلى سلعة سياسية؟
بين الحقوق التاريخية وضغوط الواقع.. هل يتحول نهر النيل إلى سلعة سياسية؟

البعد الاقتصادي الخفي

بعض المحللين يشيرون إلى أن جوهر الأزمة قد لا يكون في بيع المياه، بل في إعادة تعريف المنافع الاقتصادية للنهر، مثل تجارة الطاقة، ومشروعات الربط الكهربائي، والتنمية المشتركة.

في هذا الإطار، قد تتحول المياه إلى عنصر ضمن حزمة اقتصادية أوسع، دون أن تُباع بشكل مباشر، وهو ما يفسر حساسية المصطلحات المستخدمة في النقاش العام.

التفاوض السياسي لا الفني فقط

تجربة السنوات الماضية أظهرت أن المفاوضات الفنية وحدها لا تكفي. الملف بات سياسيًا بامتياز، يتداخل فيه الإقليمي بالدولي، والاقتصادي بالأمني.

كثير من الخبراء يدعون إلى مقاربة شاملة تشمل التعاون الاقتصادي وتبادل المنافع، بدل التركيز على منطق الحصص الصِفرية.

دور الوساطات الدولية

الوساطات الدولية، سواء من أطراف إقليمية أو قوى كبرى، تحاول دفع الأطراف نحو اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل. مثل هذا الاتفاق قد يخفف المخاوف المتعلقة بتسييس المياه أو استخدامها كورقة ضغط.

نجاح أي وساطة يتوقف على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لم يتحقق بشكل كافٍ حتى الآن.

بين المخاوف والواقع

التحذير من “تسليع المياه” يعكس قلقًا مشروعًا لدى دول المصب، لكنه في الوقت نفسه يدخل ضمن أدوات الضغط السياسي والإعلامي. الواقع القانوني الدولي يجعل بيع مياه النهر كسلعة أمرًا معقدًا وصعب التطبيق.

مع ذلك، تظل المخاوف مرتبطة بإمكانية استخدام التحكم في تدفقات المياه كوسيلة ضغط غير مباشرة.

ما السيناريو الأكثر ترجيحًا؟

الأرجح أن تستمر الأزمة في إطارها الحالي: شد وجذب تفاوضي، مع تشغيل إثيوبي للسد وفق رؤيتها، وسعي مصري سوداني لاتفاق ملزم. سيناريو البيع المباشر للمياه يبدو بعيدًا، لكن سيناريو إعادة صياغة العلاقات المائية والاقتصادية أكثر واقعية.

النيل كنهر تعاون لا صراع

تاريخ الأنهار الدولية يُظهر أن التعاون طويل الأمد يحقق مكاسب أكبر من الصراع. النيل يمكن أن يكون منصة تنمية إقليمية ضخمة إذا أُدير بروح الشراكة.

تحويله إلى أداة صراع أو سلعة سياسية يحمل مخاطر على جميع دول الحوض.

هل أعلنت إثيوبيا رسميًا نيتها بيع مياه النيل؟
لا، لا يوجد إعلان رسمي بذلك، والحديث يأتي في إطار تحليلات وتحذيرات.

هل يسمح القانون الدولي ببيع مياه الأنهار المشتركة؟
القانون الدولي يركز على الاستخدام المنصف وعدم الإضرار، لا على البيع والشراء.

ما جوهر الخلاف الحالي؟
الخلاف يدور حول قواعد ملء وتشغيل السد والاعتراف بالحقوق التاريخية.

هل يمكن حل الأزمة قريبًا؟
الحل ممكن لكنه يتطلب إرادة سياسية واتفاقًا قانونيًا ملزمًا.

لماذا تُعد القضية حساسة لمصر؟
لأن النيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البلاد.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى