كُتاب الترند العربيعمر غازي

عبء المساواة بين الرجل والمرأة

عمر غازي

في يوليو 2013 سقطت الصحفية اليابانية “ميوا سادَو” ميتة في سريرها عن عمر 31 عامًا بعد شهر عمل واحد سجّل فيه جهاز حضورها أكثر من 159 ساعة عمل إضافي مع يومين إجازة فقط، وبعد تحقيق رسمي أعلن مكتب معايير العمل في طوكيو أن الوفاة تعود إلى “كاروشي” أي الموت بسبب الإفراط في العمل، ولم يُكشف عن القصة للرأي العام إلا في 2017 حيث بدت في ظاهرها حكاية عن ثقافة العمل اليابانية لكنها في عمقها نموذج لإنسان يُطلب منه أن يعيش وفق قالب عمل واحد صُمم تاريخيًا على مقاس رجل لا ينتظر أحد منه أن يعود إلى بيت يحمل عبئًا ثانيًا من رعاية وأسرة وحياة خاصة.

بعيدًا عن القصص الفردية رسمت الأرقام صورة أشمل، فقد أظهر تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2018 أن النساء يقمن عالميًا بحوالي 76.2٪ من إجمالي ساعات العمل غير مدفوع الأجر في الرعاية والتنظيف وخدمة الأسرة، وأنهن يقدمن في المتوسط أكثر من ثلاثة أضعاف الزمن الذي يقدمه الرجال في هذا النوع من العمل، أي أن اليوم الفعلي للمرأة أطول من اليوم الفعلي للرجل حتى قبل أن نفتح دفتر الرواتب ونقيس من الذي يخرج إلى سوق العمل المدفوع ومن يبقى خلف الستار يحمل عبء ما لا يُدفع ثمنه مباشرة.

في العالم العربي تبدو الهوة أشد اتساعًا، فبيانات “الإسكوا” و”هيئة الأمم المتحدة للمرأة” بين 2019 و2024 تشير إلى أن النساء في دول المنطقة يقضين بين 17 و34 ساعة أسبوعيًا في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، بينما لا يقضي الرجال في المتوسط أكثر من ساعة إلى 5 ساعات في الأسبوع، وأن النساء ينجزن ما بين 80 و90٪ من إجمالي هذا العمل في بعض البلدان، أي أنهن يقدمن نحو 4.7 أضعاف الوقت الذي يقدمه الرجال، وهي النسبة الأعلى عالميًا، وفي دراسات تفصيلية على مصر والأردن وفلسطين وتونس وصلت نسبة وقت النساء إلى وقت الرجال في العمل المنزلي غير المدفوع إلى 12:1 في مصر، و19:1 في الأردن، و7:1 في فلسطين، و16:1 في تونس، ما يعني أن كثيرًا من الأسر العربية لا تعرف أصلًا مفهوم “تقاسم” أعباء البيت، بل تعرف أن المرأة هي من تعمل في الخارج إن عملت ثم تعود لتعمل وحدها في الداخل أيضًا.

ثم جاء “تقرير عدم المساواة العالمي 2026” ليضيف طبقة اقتصادية صريحة إلى الصورة، حيث بيّن أن النساء يعملن في المتوسط حوالي 53 ساعة أسبوعيًا إذا جُمِع العمل المدفوع مع العمل المنزلي والرعائي مقابل 43 ساعة للرجال، ومع ذلك لا يحصلن إلا على نحو 26٪ من الدخل العمالي العالمي، وأن المرأة تكسب في الساعة الواحدة حوالي 61٪ مما يكسبه الرجل إذا نظرنا إلى العمل المدفوع وحده لكن النسبة تهبط إلى قرابة 32٪ عندما تُضاف ساعات العمل غير المدفوع إلى المعادلة، أي أن خطاب المساواة في الأجر يخفي وراءه فجوة أكبر في توزيع الزمن نفسه.

على مستوى الصحة النفسية لم يبق الأمر في حدود الشعور العام بالإنهاك بل دخل إلى المجلات العلمية المحكمة، إذ نشرت “The Lancet Public Health” عام 2023 مراجعة منهجية أعدها فريق من “جامعة ملبورن” حلّل دراسات من دول متعددة حول العلاقة بين العمل غير المدفوع والصحة النفسية لدى العاملين، وانتهت المراجعة إلى أن جمع المرأة بين عمل مدفوع وحجم كبير من العمل المنزلي يرتبط بشكل واضح بارتفاع معدلات الأعراض الاكتئابية والتوتر لديها، بينما تظهر الآثار أضعف بكثير لدى الرجال في الظروف نفسها، أي أن ما يسمى “العبء المزدوج” ليس مجرد وصف أدبي بل أثر قابل للقياس على الجهاز العصبي والقدرة على الاحتمال النفسي.

وحين ننزل إلى تفاصيل بلد واحد تتضح الصورة أكثر، فبيانات مسح “HILDA” الأسترالي التي عُرضت في تقارير صدرت عام 2025 عن نتائج عام 2022 أوضحت أن الرجال في أستراليا يقضون في المتوسط حوالي 12.8 ساعة أسبوعيًا في الأعمال المنزلية بينما تقضي النساء حوالي 18.4 ساعة، أي أن الفارق يقارب 50٪ لصالح الرجال رغم أن النساء زدن في الفترة نفسها ساعات عملهن المدفوع، ومع إضافة ساعات رعاية الأطفال وكبار السن يتضح أن المرأة تجمع في أسبوع واحد ما يشبه وظيفتين بدوامين، في حين يحتفظ الرجل بقدر أكبر من الوقت الحر وانخفاض الضغط الذهني المرتبط بتنظيم تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى المدى الطويل أكدت دراسة عالمية نُشرت في “The Lancet Public Health” عام 2024 اعتمادًا على بيانات “Global Burden of Disease 2021” أن النساء يعشن في المتوسط سنوات أطول من الرجال لكنهن يقضين سنوات أكثر في حالة اعتلال غير قاتل، من آلام الظهر المزمنة واضطرابات القلق والاكتئاب إلى بعض الأمراض العضلية والعصبية التي تقلل جودة الحياة دون أن تختصر العمر، وهو ما عُرف في الأدبيات باسم “مفارقة البقاء الصحي” حيث ينجو جسد المرأة زمنًا أطول لكنه يحمل لفترات أكبر أعباء المرض والإرهاق، ومع إضافة عبء العملين المدفوع وغير المدفوع يصبح السؤال عن عدالة توزيع الكلفة الإنسانية سؤالًا ملحًا لا يمكن إخفاؤه خلف لغة عامة عن تمكين لا يعيد توزيع الأعباء فعليًا.

عند هذه النقطة لا يعود الخلاف حول حق المرأة في التعلم والعمل والتقدم في السلم الوظيفي، فهذا حق لا يناقَش، بل حول الفلسفة التي تحكم تصميم العمل نفسه حين يُطلب منها أن تدخل إلى سوق صُمم على مقاس رجل متفرغ تقريبًا للحياة المهنية ثم تعود إلى بيت لم تتغير قواعده كثيرًا، فتُطالَب بالمنافسة وفق معيار “الموظف المثالي” الذي لا يحمل في الليل طفلًا باكيًا ولا يجلس في الصباح مع أم مريضة ولا يفاوض مدرسة ولا طبيبًا، وحين تُرفع في هذا السياق شعارات المساواة دون إعادة هندسة أوقات العمل وإجازات الوالدية وتقاسم الأعباء في البيت تصبح المساواة في كثير من الحالات اسمًا مهذبًا لنقل الكلفة الزائدة إلى كتفيها وحدها.

الإنصاف الحقيقي لا يعني نسخ حياة الرجل بكل تفاصيلها ولصقها على حياة المرأة، بل يعني أن نعيد النظر في هندسة العمل والزمن والأسرة بحيث يُعترف بأدوارها المتعددة ويُعاد توزيع ما كان حكرًا عليها من عمل غير مدفوع داخل البيت، من ساعات مرنة حقيقية لا شكلية إلى سياسات إجازات تعترف بأن رعاية الأطفال وكبار السن مسؤولية مشتركة لا وظيفة جانبية، ومن أنظمة ترقٍ تقيس الأثر والجودة لا عدد الساعات التي تسمح بها القدرة على إهمال بقية جوانب الحياة، هنا فقط يصبح الحديث عن المساواة جزءًا من مشروع عدالة لا عبئًا جديدًا مغلفًا بلغة جميلة.

يبقى السؤال مفتوحًا هل نملك شجاعة الاعتراف بأن بعض أشكال المساواة كما تُطبَّق اليوم ليست إنصافًا للمرأة بل ظلمًا مضاعفًا لها لأنها تطالبها بحمل نموذج حياة لم يُصمَّم أصلًا لظروفها ثم تحاسبها إذا عجز جسدها أو وقتها عن مجاراته، أم سنكتفي بترديد الشعار نفسه بينما تظهر في الخلفية قصص “ميوا” جديدة تدفع الثمن بصمت باسم مساواة لم تسأل صاحبتها يومًا ماذا تحتاج هي لتكون الحياة أقل قسوة وأكثر عدلًا؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى