كُتاب الترند العربي

المجانسة تكون بالمجالسة.. انتقاء الصحبة

حسن آل عمير

المجانسة ليست مجرد تشابهٍ عابر في الطباع أو الأفكار، بل هي نتيجة حتمية لمدة طويلة من القرب، والاحتكاك، والمشاركة الوجدانية والفكرية.
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ويتأثر – شاء أم أبى – بمن يخالطهم ويجالسهم، فهو يستمد من مجالسهم بعضا من لغتهم، ومزاجهم، وقيمهم، بل وحتى طريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة. ومن هنا قيل المجانسة تكون بالمجالسة أي أن كثرة الجلوس مع مجموعة من الأشخاص ( شلة ) تؤدي إلى التشابه معهم في الأفكار والمشاعر والمعتقدات والسلوكيات .

كما نعلم جميعا أن المشاعر معدية. مجالسة السعيد تُسعد، ومجالسة الكئيب تؤدي للإكتئاب، ومرافقة المتفائل تحفز التفاؤل والأمل، بينما ملازمة المتذمر تزرع الإحباط. وقد أوضح الباحثين أن الإنسان يميل لاشعوريًا إلى تقليد ومحاكاة تعابير الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد لمن حوله، وهو ما ينعكس مباشرة على حالته النفسية.

ولذلك لم يكن قول العرب: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه إن القرين بالمقارن يقتدي.. مجرد حكمة بل خلاصة تجربة إنسانية عميقة. فالصديق ليس مجرد شخص نشاركه الوقت، بل هو بيئة نفسية متنقلة نعيش داخلها ومعها لساعات طويلة.

طريقة تفكيرنا تتأثر بشكل كبير بمن حولنا وبمن نسمح لأنفسنا بالتواجد معهم، وحدود ما نراه مقبولًا أو مرفوضًا، ممكنًا أو مستحيلًا. فمجالسة أهل العلم توسّع وتزيد المدارك، وتدرب العقل على السؤال والتحليل، بينما مجالسة السطحيين تضيق الأفق وتحبس الفكر ولا تؤدي إلى الإبداع.

قناعات الأصدقاء بمرور الوقت تتأثر ببعضها البعض وتتقارب أمزجتهم واهتماماتهم ، حتى وإن كانوا في بدايات معرفتهم ببعض مختلفين. صاحب الشخصية الأقوى يؤثر على من حوله سواء بشكل إيجابي أو سلبي.

وفي الجانب الإيماني، كان ديننا الإسلامي الحنيف واضحًا وصريحًا في بيان أثر الصحبة والمجالسة. يقول الله تعالى:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)
نجد في الآية توجيه مباشر بمرافقة الصالحين وملازمتهم لأن القرب منهم يقوّي الإيمان، ويذكّر الإنسان بالله، ويثبت القلب. وفي المقابل يحذر القرآن من صحبة السوء، إذ يقول سبحانه:
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)
وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في هذا الحديث الشريف فقال:
«مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة».

النظريات العلمية الغربية أثبتت إن الإنسان يتعلم السلوكيات والمعتقدات من خلال الملاحظة والتقليد، وهذا ينسجم تمامًا مع المعنى الإسلامي العميق للصحبة.

إن حسن اختيار الجليس ليس ترفًا اجتماعيًا، بل هو ضرورة نفسية، من جالس العالم تعلم ومن رافق التاجر اكتسب مهاراة التجارة ومن تواجد مع أصحاب معارض السيارات تعلم بيع وشراء المركبات ومن تابع المنحرف انحرف والعياذ بالله.
وفي ختام هذا المقال من أراد صلاح قلبه، ونقاء فكره، وطمأنينة نفسه، والنجاح والفلاح فليبدأ بالسؤال البسيط العميق: من أجالس؟

قل لي من تجلس وأخبرك بواقعك ومستقبلك.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى