
بين العصا والجزرة: هل لا تزال القيادة بالترهيب والترغيب فعالة؟
هويدا عزت
مع التطورات المتسارعة التي تشهدها بيئات العمل وتغير المفاهيم الإدارية، لا يزال أسلوب ‘العصا والجزرة’ القائم على مبدأ الثواب والعقاب محل نقاش وجدل في العديد من بيئات العمل، حيث يُكافأ صاحب الأداء المتميز ويُعاقب المقصر، ويعتقد البعض أن هذا النهج كفيل بتحفيز الموظفين ودفعهم لتحقيق أقصى إمكاناتهم. ولكن، هل يبقى هذا الأسلوب فعالًا في بيئات العمل التي تعتمد على الإبداع والمرونة؟ أم أنه يؤدي إلى خلق بيئة مليئة بالتوتر والانغلاق؟
تعود فكرة “العصا والجزرة” إلى قصة رجل حاول توجيه حماره العنيد. في البداية، استخدم العصا لضربه، لكنه لم يحقق النتيجة المرجوة، بل زاد الحمار عنادًا. عندها، لجأ إلى أسلوب آخر؛ حيث علق جزرة على طرف عصا، وجعلها تتدلى أمام الحمار. هذا الأسلوب حفزه على السير للأمام، سعيًا وراء المكافأة.
وقد استند هذا المفهوم لاحقًا إلى نظرية التعزيز لـبورهوس سكينر، والتي تفترض أن الأفراد يتصرفون بشكل إيجابي عند مكافأتهم، ويتجنبون التصرفات السلبية عند مُعاقبتهم. غير أن بيئات العمل الحديثة أثبتت أن هذه النظرية ليست كافية وحدها، لأن سلوك الموظفين لا يعتمد فقط على المكافآت والعقوبات، بل على الشعور بالعدالة، التقدير، والثقة في بيئة العمل.
على الرغم من أن التوجهات الحديثة في الإدارة تقلل من الاعتماد على أسلوب “العصا والجزرة”، إلا أنه قد تظل هناك بعض الحالات المحدودة التي يمكن أن يكون فيها هذا الأسلوب فعالًا بشكل جزئي ومؤقت، مع التأكيد الشديد على ضرورة استخدامه بحذر شديد لتجنب الآثار السلبية. على سبيل المثال، في المهام الروتينية والمتكررة التي لا تتطلب قدرًا كبيرًا من الإبداع أو التفكير النقدي، قد يكون تقديم مكافآت واضحة للأداء الجيد أو تطبيق إجراءات تصحيحية واضحة للأخطاء البسيطة وسيلة مباشرة لضمان الالتزام بالمعايير المطلوبة. كذلك، في المواقف التي تتطلب استجابة فورية وسريعة لقواعد أو تعليمات واضحة، قد يكون التلويح بعواقب عدم الامتثال ضروريًا لضمان سلامة العمل أو الالتزام باللوائح.
ومع ذلك، حتى في هذه الحالات المحدودة، يجب أن يكون التركيز الأساسي على الوضوح والعدالة في تطبيق المكافآت والعقوبات. يجب أن يفهم الموظفون بوضوح المعايير التي سيتم على أساسها تقييمهم والعواقب المترتبة على تجاوز هذه المعايير. كما يجب أن يتم تطبيق هذه الإجراءات بشكل عادل على الجميع دون تحيز. الأهم من ذلك، يجب أن يُنظر إلى استخدام هذا الأسلوب على أنه حل مؤقت ومحدود النطاق، وأن يتم دمجه دائمًا مع جهود بناء ثقافة إيجابية تعتمد على التحفيز الداخلي والتقدير والتطوير المستمر للموظفين.
إن الفعالية المحدودة لأسلوب “العصا والجزرة” لا تبرر استخدامه بشكل واسع أو غير مدروس في بيئات العمل الحديثة، فالإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمثلًا، إذا كافأ المدير الموظف الأكثر إنجازًا شهريًا، بينما يتجاهل باقي فريق العمل، قد يخلق ذلك بيئة تنافسية غير صحية، حيث يشعر الموظفون الآخرون بالإحباط، مما يؤدي إلى تراجع الأداء العام بدلًا من تحسينه، وخلق بيئة عمل سلبية على المدى الطويل.
وفي بيئات العمل الحديثة، ثبت أن هذه النظرية ليست كافية وحدها، لأن سلوك الموظفين لا يعتمد فقط على المكافآت والعقوبات، بل على الشعور بالعدالة، التقدير، والثقة في بيئة العمل، وأن هذا النهج قد يبدو عمليًا عند التعامل مع الحيوانات، إلا أن تطبيقه على البشر يتطلب تفكيرًا أعمق؛ فالموظف ليس آلة تعمل بدافع المكافأة أو الخوف من العقاب، بل إنسان يسعى للتقدير والاحترام والنمو.
وقد أشارت الدراسات إلى أن التطبيق غير المتوازن لأسلوب ‘العصا والجزرة’؛ كتركيز المكافآت على فرد واحد وإغفال جهود باقي الفريق، يمكن أن يخلق بيئة عمل تنافسية سلبية تولد شعورًا بالإحباط لدى الآخرين، مما يؤثر سلبًا على الإنتاجية.
على العكس، تعتمد شركات مثل Google على “الإدارة بالتمكين”، حيث يتم منح الموظفين حرية الإبداع، ويُحتفل بالإنجازات الجماعية، وليس الفردية فقط، هذا الأسلوب أدى إلى ارتفاع مستويات الرضا الوظيفي والإنتاجية، وساهم في استمرار نجاح الشركة.
لقد أدركت المنظمات الناجحة أن المكافآت المالية وحدها لا تكفي لتحفيز الموظفين، وأن أساليب الترهيب تخلق بيئة مليئة بالضغوط والمخاوف. ولذلك، بدأ العديد منها في تبني أساليب تحفيزية أكثر فاعلية، مثل الاعتراف بالجهود المُبذولة، حتى وإن كانت صغيرة، إذ يعزز ذلك الدافعية لدى الموظفين.
كما أن تبني سياسة تمكين الموظفين، من خلال منحهم الحرية في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية عن نتائجها يعزز من شعورهم بالثقة والالتزام. بالإضافة إلى ذلك، توفر المنظمات الناجحة فرص التعلم والتدريب المستمر، مما يُسهم في تطوير مهارات الموظفين ويعزز نموهم المهني. والأهم من ذلك، يجب أن يتبنى المديرين مبدأ الشفافية والعدالة في تعاملاتهم فلا يعاملون موظفيهم على أساس “مكافأة ومُعاقبة”، بل يخلقون بيئة قائمة على الثقة والمساواة، مما يعزز روح التعاون والتفاني في العمل.
لذا فإن التحول يبدأ من القادة أنفسهم، فحين يُظهر القائد قدوة في الإنصاف والمرونة والاحترام، يصبح الفريق أكثر التزامًا، وتتحول بيئة العمل إلى مساحة للنمو، لا ساحة للعقوبات والمكافآت فقط، كما أن الإدارة الحديثة تعتمد على مفاهيم أكثر إنسانية، مثل القيادة التشاركية، التمكين، التقدير المعنوي، وثقافة التغذية الراجعة البناءة. فمثلًا، عندما يخطئ الموظف، يُفضل الحديث معه لفهم الأسباب وتقديم الدعم، بدلًا من اللوم المباشر أو سحب المهام، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة التعلم من الخطأ بدلًا من مُعاقبة الخطأ.
إن إدارة البشر لا تُقاس فقط بقدرتنا على فرض السيطرة، بل بمدى تأثيرنا في إلهام الآخرين وتحفيزهم على تقديم أفضل ما لديهم، أن أسلوب “العصا والجزرة” قد يضمن الطاعة، لكنه لا يُنتج الولاء ولا يُطلق العنان للإبداع؛ فالمؤسسات الرائدة هي تلك التي تحتضن القيم الإنسانية، وتمنح موظفيها الثقة، ليكونوا جزءًا من النجاح لا مجرد منفذين للأوامر.
في النهاية، يمكن القول أن الإدارة ليست معادلة رياضية تقوم فقط على الثواب والعقاب، بل هي فن قيادة البشر، بكل ما يحملونه من مشاعر ودوافع وتطلعات، المنظمات التي تسعى للاستدامة والابتكار، لابد أن تراجع أساليبها، وتُعيد بناء علاقتها مع موظفيها على أسس الثقة، والاحترام، والتقدير المتبادل، فحين يشعر الموظف بقيمته، يقدم أفضل ما لديه دون الحاجة إلى عصا أو جزرة.
المصدر: اليوم السابع