
فلسفة صناعة الوعي المجتمعي
عصام محمد عبدالقادر
يستند الوعي في كينونته إلى إدراك شمولي يمزج بين المعرفة العميقة والممارسة المسؤولة؛ إذ يمثل هذا المزيج الركيزة الأساسية لحماية مقدرات الأوطان بوصفه سياجاً للوجدان الأخلاقي، ومنطلقاً لتحويل القيم المجردة إلى مواقف عملية تبرز فاعليتها في المنعطفات التاريخية، وحين تتماهى الرؤى المجتمعية ضمن هذا الإطار، يتشكل وعي جمعي يغدو خط الدفاع الأول عن كيان الدولة، مستنداً في قوته إلى وحدة فكرية ووظيفية تنبع من الإيمان الراسخ بالقضايا الوطنية، لاسيما وأن المنعة المعاصرة للدول باتت ترتهن طردياً برصانة الوعي المجتمعي وقدرته على ابتكار حلول ناجعة لمواجهة التحديات، بما يضمن صون الاستقرار وترسيخ دعائم التماسك الوطني.
يتجاوز الرأي العام كونه صدىً للأصوات العابرة، ليمثل نتاجاً لوعي جمعي يشكل الحصن الحصين للمجتمع؛ إذ تنبثق من بوابة الإدراك ردود أفعال واثقة تتخطى التباينات الأيديولوجية والفوارق الثقافية، لتصهر الأطياف كافة في إطار وطني غايته حماية كيان الدولة، ويغدو هذا التوجه التعبير الجلي عن الواقع الميداني الذي يرتكز عليه صناع القرار في المؤسسات المعنية، فحين تتوحد الإرادة المجتمعية خلف رؤية جامعة، يتحول اتخاذ القرار إلى فعل تشاركي يعزز كفاءة إدارة الشأن العام، لاسيما وأن منعة الدول المعاصرة تكمن في قدرة قيادتها على استقراء هذا الوعي واتخاذه قوة دفع استراتيجية لمواجهة التحديات وضمان استقرار المسار الوطني.
تمثل القيم المجتمعية الركيزة الأساسية لبناء الوعي الجمعي في أسمى مظاهره؛ كونها تتجاوز حدود الشعارات الجامدة لتشكل منظومة حية تترجم إلى ممارسات عملية يرتضيها المجتمع ويذود عنها، وتعد هذه القيم المعيار الأخلاقي الذي يحفز على البناء وينبذ كل ما يمس صلابة النسيج الوطني، بوصف الالتزام القيمي الضامن الحقيقي للاندماج المجتمعي الشامل، والحصن الذي يجعل من المجتمع بنية عصية على الانكسار، وحين تتجذر هذه المبادئ في وجدان الأفراد، تتحول إلى قوة ردع ذاتية تحول دون نفاذ الأدوات التخريبية أو اختراق الجبهة الداخلية، لاسيما وأن الوعي بالقيم يمثل صمام الأمان الفكري ضد أي محاولات للاستلاب أو زعزعة استقرار الدولة.
تتجاوز المشاعر الوطنية كونها عواطف عابرة لتغدو نتاجاً لوعي جمعي رصين يرصد حالة الاصطفاف الشعبي خلف كيان الدولة، ويتجلى هذا التوحد في أبهى صوره عند مواجهة التهديدات المباشرة والأزمات النوعية، حيث تبرز الروح المعنوية العالية قوةً دافعةً توجّه السلوك المجتمعي نحو تحقيق الغايات الوطنية بثبات وإيمان راسخ، ولما كانت هذه المعنوية المرتفعة تمثل الهدف الرئيس لمحاولات النيل من وحدة الصف عبر أدوات التضليل والشائعات، فإن الإدراك العميق لسيكولوجية المواجهة وأهمية صيانة الروح المعنوية يشكل الرد الحاسم في حماية الإرادة المجتمعية، باعتبارها الطاقة المحولة للمجتمع من دور المراقب إلى القوة الفاعلة والمنيعة التي تعزز منعة الدولة وتضمن ديمومة استقرارها.
يضطلع الوعي الجمعي المجتمعي بدور محوري في ترسيخ لغة المنطق لدى الجمهور؛ إذ يسهم في تحديد الأولويات الوطنية بدقة ورسم مسارات التقدم وفق رؤى واضحة المعالم، كما يدفع نحو تبني سيناريوهات استراتيجية تستند إلى تخطيط علمي رصين يضمن استدامة فاعلية مؤسسات الدولة ونموها، ويغدو المجتمع الحائز على هذا الإدراك مجتمعاً مثابراً ينفذ خططه بإرادة صلبة، معتمداً منهجية التقييم الذاتي المستمر لرصد المتغيرات وتجاوز العقبات بمنطق التطوير والتحديث، لاسيما وأن هذا النهج العلمي يحيل الطموح الشعبي واقعاً ملموساً، ويجعل من المجتمع كتلة بشرية واعية تمتلك القدرة على تجويد أدائها وتطوير مقوماتها لبلوغ مراتب الريادة والاستقرار.
يرتهن صون الأرشيف الثقافي والتراث الثري بنمط فريد من الوعي الجمعي؛ إذ يمثل المقياس الحقيقي لنضج المجتمع وقدرته على الصمود، ولا يعد انخفاض منسوب هذا الإدراك لدى العامة أو الخاصة مجرد تراجع معرفي، بل خطراً وجودياً يهدد باختراق الهوية واستباحة الموروث الوطني، ومن هنا تغدو تنمية الوعي معركة انتماء وجهداً مخلصاً لحماية ركن ركين من أركان الدولة، لاسيما وأن الوعي الثقافي يشكل المحرك الأساسي لحماية المقدرات المادية والبشرية على حد سواء، فالمجتمع الذي يعي قيمة تاريخه يمتلك القدرة على بناء مستقبله وصون سيادته ضد محاولات التغريب أو الطمس، ويظل استنهاض هذا الوعي استثماراً استراتيجياً في الإنسان بوصفه الثروة الأسمى والدرع الأقوى لكيان الدولة.
يرتبط المقياس الحقيقي للترابط المجتمعي بمدى رسوخ الوعي الجمعي في أبعاده العميقة؛ إذ يمثل الركيزة الضامنة لتعضيد اللحمة الوطنية وتضافر الجهود، فضلاً عما يمنحه للمجتمع من حصانة ذاتية ضد التقلبات العاصفة، وبفضل هذا الإدراك، يغدو البناء المجتمعي عصياً على التفكك أو التحول السلبي أمام المتغيرات الطارئة، سواء كانت ضغوطاً سياسية أو أزمات اقتصادية، حيث يعمل الوعي على حماية النسق القيمي من التآكل أو الاستبدال الذي قد يفضى إلى تحولات جذرية مدمرة، كما يمنع نشوء الفجوات السطحية بين أطياف المجتمع، ولما كان التماسك اليوم يتجاوز كونه حالة عاطفية ليصبح قراراً استراتيجياً، فإن الوعي يؤكد أن الحفاظ على الثوابت يمثل السبيل الأوحد لعبور الأزمات.
تكمن الغاية الأسمى في حيازة وعي جمعي إيجابي ومتكامل، يهيئ مناخاً وطنياً نقياً يتيح غرس قيم الانتماء في نفوس الأجيال الناشئة؛ إذ يستوجب ذلك تعزيز مفاهيم المواطنة الحقة في وجدانهم لتغدو لهم درعاً وسنداً، وتحصن عقولهم ضد محاولات التشويه الفكري الممنهجة التي تستهدف هويتهم، وبمثل هذا الإدراك، يتشكل سياج منيع يحمي المجتمع من كيد المتربصين والعابثين بالاستقرار، لاسيما وأن محبة الوطن تتجاوز كونها عاطفة مجردة لتصبح فعل بناء مستمر يضمن منعة الدولة بصلابة أبنائها وعزة شعبها، بما يكفل استدامة رفعة الوطن بسواعد أجيال تشربت قيم الوفاء والولاء.
المصدر: اليوم السابع



