
اقتصاد الانتباه بعد “الذكاء الاصطناعي”.. حين تتحول الخوارزميات من تنظيم الانتباه إلى إنتاجه
عمر غازي
في نهاية عام 2022 أطلقت شركة “OpenAI” خدمة “ChatGPT”، وخلال شهرين فقط تجاوز عدد مستخدميها 100 مليون مستخدم نشط شهريًا وفق تحليل نشره بنك “UBS” في عام 2023، ليصبح أحد أسرع التطبيقات الاستهلاكية انتشارًا في تاريخ الإنترنت، لم يكن الحدث مجرد إطلاق أداة تقنية جديدة، بل كان مؤشرًا مبكرًا على تحول عميق في طبيعة المحتوى الرقمي نفسه، فالمستخدم لم يعد يتصفح محتوى ينتجه الآخرون فقط، بل أصبح يتفاعل مع نظام قادر على إنتاج نصوص وصور وأفكار جديدة في كل مرة، أي أن المنصات لم تعد تكتفي بتنظيم ما يلفت انتباهنا، بل بدأت تنتج ما يستحق هذا الانتباه أصلًا، وهنا يبدأ التحول الحقيقي في ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”.
قبل عقدين تقريبًا كان التحدي الأساسي في الإنترنت هو الوصول إلى المعلومات، فالمعرفة كانت متناثرة ويصعب جمعها، لكن مع انتشار محركات البحث والمنصات الرقمية تحولت المشكلة من ندرة المعلومات إلى فائضها، وفي عام 2019 نشرت مجلة “Nature Communications” دراسة واسعة حللت انتشار الأخبار والروابط عبر الإنترنت، وأظهرت أن حجم المحتوى الرقمي يتضاعف بوتيرة أسرع بكثير من قدرة البشر على استهلاكه، أي أن المورد النادر في البيئة الرقمية لم يعد المعلومات، بل الانتباه البشري نفسه، وهنا بدأ الباحثون يتحدثون عن اقتصاد جديد يقوم على إدارة هذا المورد المحدود.
ظهر مفهوم “اقتصاد الانتباه” ليصف هذا التحول، وهو مصطلح يشير إلى أن المنصات الرقمية لا تتنافس أساسًا على إنتاج المعلومات بقدر ما تتنافس على جذب الوقت الذهني للمستخدم، وقد أظهرت بيانات تقرير “Digital 2024” الصادر عن “DataReportal” أن مستخدمي الإنترنت يقضون في المتوسط نحو 6 ساعات و40 دقيقة يوميًا على الشبكة، جزء كبير من هذا الوقت داخل منصات التواصل الاجتماعي، حيث تقاس قيمة المحتوى بعدد الثواني التي يحتفظ فيها بانتباه المستخدم، لا بعمق الفكرة التي يقدمها، وهنا أصبحت الخوارزميات تلعب دور الحارس الذي يقرر أي المحتويات تمر عبر بوابة الانتباه.
لكن صعود “الذكاء الاصطناعي التوليدي” غيّر هذه المعادلة بصورة جوهرية، فالخوارزميات لم تعد تكتفي بترتيب المحتوى الذي ينتجه البشر، بل أصبحت قادرة على إنتاج محتوى جديد بالكامل، وقدّرت شركة “McKinsey” في تقريرها عام 2023 أن تقنيات “الذكاء الاصطناعي التوليدي” قد تضيف ما يصل إلى 4.4 تريليون دولار سنويًا إلى الاقتصاد العالمي، جزء كبير من هذه القيمة يأتي من القدرة على إنتاج النصوص والصور والوسائط بسرعة غير مسبوقة، ما يعني أن المحتوى لم يعد محدودًا بقدرة البشر على الكتابة أو التصوير، بل أصبح قابلًا للتوليد المستمر.
هذا التحول يغير قواعد اللعبة في “اقتصاد الانتباه”، لأن المشكلة لم تعد فقط في ترتيب المحتوى، بل في تضاعفه المستمر، فإذا كانت المنصات في الماضي تتنافس على عرض أفضل ما ينتجه المستخدمون، فإنها اليوم قادرة على إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لجذب انتباه كل فرد على حدة، وهو ما يعني أن الخوارزمية لم تعد مجرد وسيط بين المحتوى والجمهور، بل أصبحت منتجًا للمحتوى نفسه.
في هذا السياق يتغير أيضًا دور المستخدم، فبدل أن يكون مستهلكًا لما ينتجه الآخرون، يصبح مشاركًا في عملية إنتاج مستمرة يقودها “الذكاء الاصطناعي”، ومع كل تفاعل، وكل سؤال، وكل تمرير للشاشة، تتعلم الخوارزمية المزيد عن نمط انتباهه، ثم تعيد إنتاج محتوى أكثر قدرة على الاحتفاظ به، وهنا لا يصبح الانتباه مجرد مورد اقتصادي، بل مادة خام يعاد تشكيلها خوارزميًا.
تشير أبحاث من جامعة “Stanford” حول تصميم المنصات الرقمية إلى أن تعديل ترتيب المحتوى في الخوارزميات يمكن أن يرفع معدلات التفاعل بصورة كبيرة، لأن ترتيب العرض يؤثر في ما يراه المستخدم أولًا، وما يراه أولًا يملك فرصة أكبر للبقاء في الذاكرة، ومع دخول “الذكاء الاصطناعي التوليدي” إلى هذه المعادلة، يصبح بالإمكان إنتاج محتوى مصمم بدقة ليحافظ على انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن، أي أن الانتباه لم يعد يُكتشف فقط، بل يمكن هندسته.
وهنا يظهر تحول أعمق في طبيعة البيئة الرقمية، فالمحتوى الذي نراه في المستقبل قد لا يكون مجرد نتاج إبداع إنساني مباشر، بل نتاج أنظمة تعلمت ما الذي يثير فضولنا وما الذي يشتت انتباهنا، ثم أعادت تركيب المحتوى وفق هذه المعرفة، فيصبح السؤال الحقيقي ليس ماذا يريد المستخدم أن يرى، بل ماذا تستطيع الخوارزمية أن تجعله يريد أن يرى.
في هذا السياق لم يعد “اقتصاد الانتباه” قائمًا فقط على المنافسة بين صناع المحتوى، بل على قدرة الأنظمة الرقمية على تصميم بيئات كاملة تحافظ على تركيز المستخدم داخلها، من مقاطع الفيديو القصيرة إلى الخلاصات الإخبارية إلى أنظمة المحادثة الذكية، وكلها تعمل وفق المبدأ نفسه، وهو أن الانتباه أصبح المورد الأثمن في العصر الرقمي.
ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كانت الخوارزميات قادرة اليوم على إنتاج المحتوى وتنظيمه وتوجيه الانتباه إليه في الوقت نفسه، فهل ندخل عصرًا يصبح فيه “اقتصاد الانتباه” قائمًا على ما تصنعه الخوارزميات من انتباه، لا على ما ينتجه البشر من أفكار؟



