مشاهيرمنوعات

وداع حارس الذاكرة الفلسطينية.. وليد الخالدي يرحل في كامبردج ويترك أرشيفًا صنع مرجعية التاريخ

الترند بالعربي – متابعات

غاب عن المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي البروفيسور وليد الخالدي، أحد أبرز من كتبوا تاريخ فلسطين الحديث بلغة الوثيقة لا الانفعال، بعدما توفي صباح الأحد 8 مارس 2026 في مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس عن عمر ناهز 101 عام، وفق بيانات مؤسسة الدراسات الفلسطينية وتقارير فلسطينية وعربية متطابقة، في رحيل يضع علامة فاصلة في مسيرة “حراسة الذاكرة” التي جعل منها الخالدي مشروع عمر كامل، لا وظيفة أكاديمية عابرة

اسم ارتبط بفكرة واحدة.. تثبيت الرواية وحماية التاريخ من التزييف

لم يكن وليد الخالدي مجرد مؤرخ يضيف كتابًا إلى رف، بل كان صاحب رؤية ترى أن المعركة على فلسطين تبدأ من المعنى، وأن المعنى لا يستقيم بلا أرشيف، ولا يدافع عنه بلا منهج، لذلك كرّس سنواته لتثبيت الرواية الفلسطينية عبر التوثيق والتحقيق والبحث، وبنى من خلال عمله المؤسسي والبحثي شبكة مراجع أصبحت نقطة انطلاق إلزامية لكل من يكتب عن النكبة والقرى المدمرة والتحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت عام 1948

وداع حارس الذاكرة الفلسطينية.. وليد الخالدي يرحل في كامبردج ويترك أرشيفًا صنع مرجعية التاريخ
وداع حارس الذاكرة الفلسطينية.. وليد الخالدي يرحل في كامبردج ويترك أرشيفًا صنع مرجعية التاريخ

من القدس إلى العالم.. سيرة علمية عبر الجامعات الكبرى

وُلد الخالدي في القدس عام 1925، وامتدت رحلته العلمية إلى مساحات أكاديمية دولية، من التدريس في جامعة أكسفورد في منتصف القرن الماضي إلى محطات بحثية وتدريسية لاحقة في بيروت والولايات المتحدة، في مسار جعل اسمه حاضرًا داخل دوائر الجامعة الغربية، وفي الوقت نفسه متصلًا مباشرة بالهم الفلسطيني بوصفه موضوعًا معرفيًا وسياسيًا لا يحق له أن يُترك للآخرين وحدهم

استقالة لافتة ووعي مبكر بأن المعرفة موقف أيضًا

تُستعاد في سيرة الخالدي محطة استقالته عام 1956 احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر، كإشارة إلى أنه كان يرى الجامعة جزءًا من المجال العام لا جزيرة منفصلة عنه، وأن المؤرخ، مهما التزم المنهج، لا يمكن أن يتعامل مع لحظات مفصلية في المنطقة باعتبارها “خبرًا خارجيًا”، بل باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا يكشف حدود الحياد حين يتحول إلى صمت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية.. حين يصبح الأرشيف فعل مقاومة هادئة

أهم ما رسخه الخالدي في الوعي البحثي الفلسطيني أنه لم يكتف بالكتابة الفردية، بل ساهم في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1963 مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني، لتصبح المؤسسة لاحقًا واحدة من أبرز منصات البحث والتوثيق المتعلقة بفلسطين عالميًا، وهي المؤسسة التي تحولت مكتبتها وأرشيفها، تحت إشرافه ومسارها التراكمي، إلى مرجع واسع للباحثين في التاريخ والسياسة والاجتماع والذاكرة

أرشيف “لا يُقدّر بثمن”.. كتب ووثائق وصحف تشهد على قرن كامل

تتحدث المؤسسة ومصادر متعددة عن أن مكتبتها وأرشيفها يضمان عشرات الآلاف من الكتب والوثائق والمواد المصورة، بما في ذلك صحف ودوريات تاريخية وملفات توثيقية جعلت من الوصول إلى “المعلومة الأصلية” ممكنًا بدل الاعتماد على روايات ثانوية متأخرة، وهي الفكرة التي راهن عليها الخالدي طويلًا، أن من يملك الوثيقة يملك القدرة على تفكيك التضليل، وأن الذاكرة حين تتحول إلى أرشيف تصبح أقوى من النسيان وأصعب على المصادرة

كتب صنعت مدرسة.. قبل الشتات وكي لا ننسى وما تبقى

في المكتبة الفلسطينية الحديثة، يصعب تجاوز أعمال الخالدي الكبرى التي دخلت في صلب تشكيل “المعرفة الفلسطينية” باللغة العربية والإنجليزية، وعلى رأسها أعمال وثّقت الحياة الفلسطينية قبل 1948، وخرائط القرى التي دمرت أو أُخليت، وما بقي منها من آثار ومواقع وأسماء، لتتحول هذه الكتب إلى أدوات بحثية وتعليمية في آن واحد، لا مجرد سرديات، بل مراجع تُقرأ بالخرائط والصور والوثائق، وتُستخدم لإعادة بناء الصورة التي حاولت السياسة طمسها

النكبة عند الخالدي.. حدث تاريخي لا ينتهي في يوم واحد

تميّز مشروع الخالدي بأنه تعامل مع النكبة بوصفها عملية ممتدة، تبدأ بالتهجير ولا تتوقف عنده، وتمتد في التحولات الديموغرافية وخرائط الملكية وتغير أسماء الأماكن وخسارة الأرشيف المحلي، لذلك جاءت كتاباته أقرب إلى تشريح طويل لآليات الفقد، لا بكاءً عليه، وفي هذا التشريح ظهرت قيمة “التفصيل” التي جعلته يُعرف لدى كثيرين بحارس الذاكرة، لأن الحارس هنا ليس شاعرًا، بل محققًا يعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تحفظ الحقيقة في وجه الروايات الكبيرة

المؤرخ الذي كتب للباحثين كما كتب للرأي العام

رغم عمق المشروع الأكاديمي، لم يبق الخالدي حبيس الدوائر البحثية، إذ نُسب إليه دور في صياغة بعض الخطابات والوثائق السياسية الفلسطينية في مراحل مفصلية، من دون أن يتحول إلى سياسي محترف أو صاحب منصب تنظيمي، ما جعل حضوره مختلفًا، قريبًا من السياسة حين تحتاج إلى لغة دقيقة، وبعيدًا عنها حين تتحول إلى مزايدات، وهي معادلة نادرة في تاريخ المثقف العربي بين المعرفة والقرار

كامبردج.. نهاية جسدية في المنفى وبقاء معرفي في الأرشيف

وفاة الخالدي في كامبردج بولاية ماساتشوستس أعادت إلى الواجهة مفارقة فلسطينية مؤلمة، أن كثيرًا من بناة الذاكرة ينتهون بعيدًا عن الجغرافيا التي وثقوها، لكن هذا البعد لم ينتقص من أثره، بل يعكس كيف تحولت فلسطين في مشروعه إلى “وطن معرفي” يحمل اسمه ويستمر عبر أرشيف ومؤسسة وكتب تفتح الطريق لأجيال جديدة، وتعيد تعريف النضال بوصفه قدرة على إنتاج معرفة صلبة لا تُكسر بسهولة

لماذا يُعد رحيله خسارة تتجاوز فلسطين؟

لأن الخالدي لم يكتب لفلسطين وحدها، بل كتب لمنهج في الكتابة التاريخية يرى أن المنطقة العربية تحتاج إلى مؤسسات توثيق مستقلة، وأن سردية الشعوب لا يجب أن تكون هامشًا في مراكز البحث العالمية، ورحيله يترك فراغًا في نموذج “المؤرخ المؤسِّس” الذي لا يكتفي بالكتاب، بل يبني المنصة التي تُنتج الكتب بعده، ويُدرب الحس البحثي على احترام الوثيقة قبل الخطابة

إرثه الحقيقي.. أن الذاكرة يمكن أن تصبح علمًا لا مجرد حنين

الدرس الأكبر الذي يتركه وليد الخالدي هو أن الذاكرة ليست عاطفة فقط، وأن الحنين وحده لا يحفظ الحقوق، وأن تحويل الرواية إلى علم يعني تحويلها إلى مصادر، وفهارس، وخرائط، ومقارنات، وملفات، وأدوات تحقق، وهذه الأدوات هي التي تجعل سردية فلسطين قادرة على البقاء في مواجهة ماكينة إنكار طويلة، لأن الإنكار يضعف حين يجد أمامه وثيقة، ويهتز حين يواجه أرشيفًا كاملًا لا عبارة عاطفية

متى توفي المؤرخ وليد الخالدي وأين؟
توفي صباح الأحد 8 مارس 2026 في مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة

كم بلغ عمر وليد الخالدي عند وفاته؟
بلغ عمره 101 عام

ما أبرز مؤسسة ارتبط اسم وليد الخالدي بتأسيسها؟
ارتبط بتأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي أصبحت مرجعًا بحثيًا متخصصًا حول فلسطين

ما الذي يميز مشروع وليد الخالدي في توثيق تاريخ فلسطين؟
تميز بالاعتماد على الوثيقة والأرشيف وبناء مراجع وخرائط وتوثيق تفصيلي يحول الذاكرة إلى معرفة قابلة للتحقق

ما أبرز القضايا التي ركز عليها في أعماله البحثية؟
ركز على تاريخ فلسطين الحديث والنكبة وتوثيق القرى المدمرة والتحولات السياسية والاجتماعية المرتبطة بالقضية

اقرأ أيضًا: مدرجات رقمية في ليالي رمضان.. كيف حوّلت منصات البث جلسات الألعاب إلى حدث عالمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى