سياسةسياسة العالم

انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟

الترند بالعربي – متابعات

دخل العالم مرحلة حساسة في ميزان الردع النووي مع انتهاء معاهدة «نيو ستارت»، آخر اتفاق رئيسي للحد من الأسلحة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، القوتين النوويتين الأكبر في العالم. هذا التطور لا يُعد حدثاً تقنياً في عالم الدبلوماسية فقط، بل يمثل نقطة تحول في بنية الأمن الدولي التي تشكّلت على مدى عقود منذ نهاية الحرب الباردة، حيث لعبت اتفاقيات الحد من التسلح دوراً محورياً في منع الانزلاق نحو مواجهات كارثية.

انتهاء المعاهدة في فبراير 2026 دون التوصل إلى بديل يعيد إلى الواجهة تساؤلات قديمة جديدة حول مستقبل الاستقرار الإستراتيجي العالمي، ومدى قدرة النظام الدولي على ضبط سباق التسلح في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟
انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟

خلفية تاريخية لمعاهدة نيو ستارت
وُقّعت معاهدة «نيو ستارت» عام 2010 بين واشنطن وموسكو، ودخلت حيز التنفيذ في 2011، في وقت كانت فيه العلاقات بين القوتين النوويتين تسعى إلى قدر من إعادة الضبط بعد سنوات من الشكوك المتبادلة. جاءت المعاهدة امتداداً لسلسلة طويلة من اتفاقيات الحد من التسلح التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، بهدف تقليص المخاطر النووية ومنع التوسع غير المنضبط في الترسانات الإستراتيجية.

المعاهدة لم تكن مجرد إعلان نوايا، بل تضمنت أرقاماً واضحة وسقوفاً محددة للرؤوس النووية المنشورة، إضافة إلى أنظمة إطلاقها من صواريخ باليستية عابرة للقارات وغواصات وقاذفات إستراتيجية. كما نصّت على آليات تحقق وتفتيش ميداني وتبادل بيانات دوري، وهو ما وفر مستوى من الشفافية النادرة بين خصمين إستراتيجيين.

أهداف ضبط التوازن النووي
الهدف المركزي لـ«نيو ستارت» كان الحفاظ على توازن الردع دون السماح بانفلات سباق تسلح جديد. فلسفة الردع النووي تقوم على فكرة أن امتلاك كل طرف قدرة تدمير كافية يمنع الآخر من التفكير في الهجوم، لكن هذه المعادلة تصبح أكثر خطورة كلما زاد عدد الأسلحة وانتشرت دون قيود.

لذلك سعت المعاهدة إلى وضع سقف للرؤوس النووية الإستراتيجية المنشورة، وتقليص منصات الإطلاق، مع الحفاظ على قدرة الردع المتبادل. هذه الصيغة ساعدت لسنوات في تهدئة المخاوف من توسع غير محسوب في الترسانات النووية.

التمديد الأخير قبل النهاية
في عام 2021، اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على تمديد المعاهدة خمس سنوات إضافية. كان ذلك القرار يُنظر إليه آنذاك كخطوة إيجابية للحفاظ على آخر أعمدة نظام الحد من التسلح النووي. لكن السنوات اللاحقة شهدت تدهوراً في العلاقات السياسية والعسكرية بين الجانبين، ما جعل من الصعب التوصل إلى إطار جديد قبل انتهاء المدة.

مع حلول فبراير 2026، انتهت المعاهدة رسمياً دون اتفاق بديل، ليجد العالم نفسه لأول مرة منذ عقود أمام غياب قيود ملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين.

انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟
انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟

عالم بلا سقوف نووية واضحة
غياب المعاهدة لا يعني بالضرورة أن سباق تسلح بدأ فوراً، لكنه يزيل القيود القانونية وآليات التفتيش التي كانت تضبط السلوك النووي للطرفين. هذا الفراغ يثير قلق خبراء الأمن الدولي، لأن غياب الشفافية قد يدفع كل طرف إلى افتراض الأسوأ بشأن قدرات الطرف الآخر، وهو ما قد يقود إلى زيادات احترازية في التسلح.

في بيئة دولية تتسم بتوترات متزايدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، يصبح أي تغير في التوازن النووي عاملاً مضاعفاً للمخاطر، خصوصاً مع دخول قوى نووية أخرى على خط المنافسة العالمية.

انعكاسات على الاستقرار الدولي
الاستقرار النووي لا يرتبط فقط بعدد الرؤوس الحربية، بل بوجود قنوات تواصل واتفاقيات تقلل سوء الفهم. المعاهدات السابقة لعبت دور “صمامات أمان” تمنع الانزلاق إلى حسابات خاطئة. ومع تراجع هذه الأطر، ترتفع احتمالات سوء التقدير الإستراتيجي.

القلق لا يقتصر على واشنطن وموسكو. دول عديدة تراقب المشهد، لأن أي سباق تسلح بين الكبار قد يدفع قوى إقليمية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، وربما النووية.

تداعيات اقتصادية تتجاوز الأمن
الإنفاق العسكري عادة ما يرتفع في فترات التوتر الإستراتيجي. سباق التسلح لا يستهلك الموارد فقط، بل يرسل إشارات سلبية للأسواق. زيادة الإنفاق الدفاعي قد تأتي على حساب قطاعات تنموية، كما أن التوترات الجيوسياسية تؤثر على الاستثمارات وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.

الاقتصاد العالمي المترابط يتأثر سريعاً بأي تصعيد بين القوى الكبرى. لذلك فإن انتهاء معاهدة نووية ليس شأناً عسكرياً فقط، بل حدث ذو أبعاد اقتصادية عالمية.

انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟
انتهاء نيو ستارت يفتح باب القلق… هل يعود شبح السباق النووي العالمي؟

موقع القوى النووية الأخرى
رغم أن «نيو ستارت» كانت ثنائية بين واشنطن وموسكو، فإن الواقع النووي اليوم أكثر تعقيداً. هناك قوى نووية أخرى صاعدة أو مستقرة تمتلك ترسانات مؤثرة. غياب إطار شامل للحد من التسلح يجعل النظام النووي العالمي أقل قابلية للتنبؤ.

بعض الخبراء يرون أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون متعدد الأطراف ليعكس الواقع الجديد، لكن تحقيق ذلك دبلوماسياً يبدو أكثر تعقيداً من الاتفاقات الثنائية السابقة.

الدبلوماسية أمام اختبار صعب
إعادة بناء نظام للحد من التسلح تتطلب إرادة سياسية وثقة متبادلة. في ظل التوترات الحالية، تبدو المهمة أصعب من أي وقت مضى. ومع ذلك، يدرك صناع القرار أن البديل عن الدبلوماسية هو بيئة أكثر خطورة للجميع.

التاريخ يُظهر أن حتى الخصوم الشرسين جلسوا إلى طاولة التفاوض عندما أدركوا كلفة المواجهة النووية. السؤال هو متى تتوافر الظروف السياسية لعودة مثل هذه الحوارات.

الردع أم الانفلات؟
هناك من يرى أن الردع المتبادل سيستمر حتى دون معاهدات، لأن كلفة الحرب النووية معروفة. لكن آخرين يحذرون من أن غياب القواعد يزيد هامش المخاطرة، خصوصاً في أوقات الأزمات الحادة.

الفرق بين الردع المنظم والردع غير المقيد يكمن في وجود آليات تواصل وضبط. ومع تآكل هذه الآليات، يصبح النظام أكثر هشاشة.

دروس من الحرب الباردة
الحرب الباردة شهدت فترات توتر قصوى، لكنها أيضاً أنتجت أهم اتفاقيات الحد من التسلح. تلك التجربة التاريخية توضح أن الخوف من التصعيد كان دافعاً للتفاوض. كثير من الخبراء يعتقدون أن العالم قد يمر بمرحلة توتر قبل أن يعود إلى مسار تفاوضي جديد.

هل يعود سباق التسلح فعلاً؟
الحديث عن “سباق تسلح جديد” لا يعني بالضرورة سباقاً فورياً كما في القرن الماضي، لكنه يشير إلى احتمال زيادة الاستثمارات في الأنظمة النووية وتحديثها. بالفعل، العديد من الدول تعمل على تحديث ترساناتها، حتى في ظل المعاهدات.

انتهاء «نيو ستارت» قد يسرّع هذا الاتجاه إذا لم يُستبدل بإطار جديد.

دور الرأي العام العالمي
الرأي العام في كثير من الدول بات أقل انخراطاً في قضايا الحد من التسلح مقارنة بعقود سابقة. ومع ذلك، فإن أي تصعيد نووي يعيد هذه القضايا إلى الواجهة بسرعة. الضغط الشعبي والدولي يمكن أن يلعب دوراً في دفع الحكومات نحو الدبلوماسية.

السيناريوهات القادمة
السيناريو الأول هو استمرار الوضع دون اتفاق جديد لفترة، مع مراقبة متبادلة غير رسمية. السيناريو الثاني إطلاق مفاوضات ثنائية أو متعددة الأطراف. السيناريو الثالث، وهو الأقل تفضيلاً، دخول مرحلة تنافس نووي أكثر وضوحاً.

الاتجاه الذي سيسود يعتمد على التطورات السياسية بين القوى الكبرى.

السؤال المفتوح
يبقى السؤال المطروح: هل ينجح العالم في إعادة بناء نظام لضبط التسلح يتناسب مع الواقع الجديد، أم يدخل مرحلة أطول من عدم اليقين النووي؟ الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن المخاطر النووية لم تختفِ، بل تغيّرت أشكالها.

ما هي معاهدة نيو ستارت؟
اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من الأسلحة النووية الإستراتيجية.

متى انتهت؟
انتهت رسمياً في فبراير 2026.

هل يعني ذلك حرباً نووية؟
لا، لكنه يزيد القلق بشأن الاستقرار النووي.

هل يمكن توقيع اتفاق جديد؟
نعم، لكنه يتطلب ظروفاً سياسية مناسبة.

اقرأ أيضًا: هجرة الحريد إلى فرسان… ظاهرة بحرية سنوية تصنع مشهدًا بيئيًا نادرًا في السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى