منحة طاقة بحجم دولة.. السعودية تضخ 339 مليون لتر وقود لإنقاذ كهرباء اليمن
الترند العربي – متابعات
في خطوة وُصفت بأنها من أكبر التدخلات الداعمة لقطاع الكهرباء في اليمن خلال السنوات الأخيرة، بدأت المملكة العربية السعودية تنفيذ منحة ضخمة لتزويد أكثر من 70 محطة كهرباء يمنية بالمشتقات النفطية، في إطار تحرك إنساني وتنموي يحمل أبعادًا اقتصادية ومعيشية تتجاوز مجرد تشغيل المحطات، ليطال استقرار الخدمات الأساسية ومسار التعافي الاقتصادي في البلاد.
المنحة، التي ينفذها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تشمل تزويد محطات التوليد في مختلف المحافظات اليمنية بـ339 مليون لتر من الديزل والمازوت، بقيمة إجمالية تبلغ 81.2 مليون دولار، إنفاذًا لتوجيهات القيادة السعودية الصادرة منتصف يناير 2026.

توجيهات عليا وتحرك ميداني سريع
جاء بدء ضخ الوقود بعد أيام من صدور التوجيهات الرسمية، في دلالة واضحة على أولوية الملف اليمني ضمن السياسة السعودية تجاه دعم الاستقرار الإقليمي. وانطلقت الشحنات الأولى من مقر شركة النفط اليمنية بترومسيلة، إيذانًا ببدء مرحلة التنفيذ العملي للمنحة، بعد استكمال الإجراءات التنظيمية والرقابية المرتبطة بها.
ويؤكد هذا التحرك السريع أن المنحة لا تُدار كدعم طارئ محدود، بل كبرنامج متكامل يراعي الحوكمة والرقابة وضمان وصول الوقود إلى محطات التوليد المستهدفة دون تسرب أو سوء استخدام، في بيئة تعاني من تحديات إدارية واقتصادية معقدة.
أكثر من 70 محطة في قلب الخطة
تستهدف المنحة تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء موزعة على مختلف المحافظات اليمنية، بما يشمل المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى المحافظات التي تعاني من ضعف مزمن في إمدادات الطاقة.
ويمثل هذا الانتشار الجغرافي الواسع عنصر قوة أساسي في المنحة، إذ يضمن تأثيرًا مباشرًا على حياة ملايين اليمنيين، سواء عبر تحسين ساعات التشغيل، أو تقليل الانقطاعات المتكررة التي أثقلت كاهل المواطنين والمؤسسات الخدمية.
حوكمة ورقابة لضمان الوصول
حرص البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن على اعتماد منظومة حوكمة شاملة لإدارة المنحة، تضمنت تشكيل لجنة مشتركة من عدة جهات يمنية، تتولى الإشراف على توزيع المشتقات النفطية وفق احتياجات فعلية مقدمة من محطات التوليد.
وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق الشفافية ومنع أي انحراف في مسار المنحة، إضافة إلى ضمان العدالة في التوزيع بين المحافظات، بما يعزز ثقة الشركاء المحليين والدوليين في فاعلية الدعم السعودي.
أثر مباشر على حياة اليمنيين
لا يقتصر تأثير المنحة على تشغيل محطات الكهرباء فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعات حيوية تمس حياة المواطن اليومية، في مقدمتها المستشفيات والمراكز الطبية، التي تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء لتشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية وتقديم الخدمات الطارئة.
كما تسهم استمرارية التيار الكهربائي في دعم عمل المدارس والجامعات، وتحسين بيئة التعليم، إضافة إلى تشغيل المطارات والموانئ والمنشآت الخدمية، بما يعيد قدرًا من الانتظام إلى الحياة العامة في البلاد.
دعم للاستقرار المعيشي والاجتماعي
يشكل انقطاع الكهرباء أحد أبرز العوامل المؤثرة في تدهور المستوى المعيشي في اليمن، إذ يرفع كلفة الخدمات، ويزيد من اعتماد الأسر على مصادر بديلة مرتفعة التكلفة، مثل المولدات الخاصة.
ومن هذا المنطلق، تُمثل المنحة السعودية تدخلًا مباشرًا لتخفيف الأعباء عن المواطنين، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في بيئة أنهكتها سنوات من الأزمات.

انعكاسات اقتصادية ومالية أوسع
تحمل المنحة أبعادًا اقتصادية تتجاوز قطاع الكهرباء، إذ تسهم في تقليل الضغط على الاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي اليمني، عبر الحد من الحاجة إلى استيراد الوقود من الخارج بالعملة الصعبة.
كما تخفف العبء المالي عن وزارة المالية اليمنية، التي تواجه تحديات كبيرة في تغطية تكاليف تشغيل قطاع الكهرباء، ما يتيح توجيه الموارد المحدودة إلى مجالات أخرى ذات أولوية.
تنشيط الاقتصاد المحلي ودور الشركات الوطنية
تضمنت آلية تنفيذ المنحة شراء المشتقات النفطية من شركة بترومسيلة اليمنية، في خطوة تعكس توجهًا لدعم الشركات الوطنية وتعزيز دورها كشريك فاعل في منظومة الطاقة.
ويسهم هذا النهج في تحفيز الاقتصاد المحلي، ودعم سلاسل التوريد الداخلية، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، بما يعزز مناعة الاقتصاد اليمني في مواجهة الصدمات.
اتفاقية ثلاثية تؤسس لاستدامة الكهرباء
كانت وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية قد وقّعت، في 21 يناير 2026، اتفاقية ثلاثية مع شركة بترومسيلة والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، لتنظيم شراء المشتقات النفطية وتوزيعها على محطات التوليد.
وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز استدامة الكهرباء، وضمان استمرارية التشغيل، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، بما ينعكس إيجابًا على النشاط التجاري والاقتصادي في مختلف المحافظات.
سجل سعودي طويل في دعم قطاع الكهرباء
لا تُعد منحة 2026 الأولى من نوعها، إذ سبق للمملكة أن قدمت عدة منح مشتقات نفطية لدعم قطاع الكهرباء في اليمن، شملت منحة عام 2018 بقيمة 180 مليون دولار، ومنحة عام 2021 بقيمة 422 مليون دولار، ومنحة عام 2022 بقيمة 200 مليون دولار.
ويعكس هذا السجل التزامًا طويل الأمد بدعم استقرار اليمن، وعدم الاكتفاء بمعالجات مؤقتة، بل تبني نهج تراكمي يستهدف بناء قدرات المؤسسات اليمنية وتعزيز استدامة الخدمات.
الكهرباء بوابة التعافي الشامل
يرى خبراء أن استقرار إمدادات الكهرباء يمثل حجر الأساس لأي مسار تعافٍ اقتصادي واجتماعي، إذ ترتبط به معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والتعليم والصحة.
ومن هذا المنظور، تُعد المنحة السعودية استثمارًا في الاستقرار طويل الأجل، وليس مجرد دعم إنساني قصير الأمد، خاصة في ظل ما توفره من أثر مباشر وملموس على الأرض.
رسالة سياسية وإنسانية في آن واحد
تحمل المنحة في طياتها رسالة سياسية وإنسانية واضحة، مفادها أن المملكة تواصل دعمها لليمن وشعبه بعيدًا عن التقلبات، واضعة البعد الإنساني والاستقرار الإقليمي في صدارة أولوياتها.
كما تعكس المنحة رؤية سعودية ترى في التنمية وإعادة الإعمار مدخلًا أساسيًا لإحلال الاستقرار، بدلًا من الاكتفاء بالحلول الأمنية أو الإغاثية المؤقتة.
تحديات التنفيذ وآفاق المستقبل
ورغم أهمية المنحة، تبقى تحديات التنفيذ قائمة، سواء على مستوى البنية التحتية المتهالكة لبعض المحطات، أو الحاجة إلى إصلاحات فنية وإدارية موازية لضمان الاستفادة القصوى من الوقود المقدم.
غير أن وجود منظومة حوكمة واضحة، وتعاون وثيق بين البرنامج السعودي والجهات اليمنية، يعزز فرص نجاح المنحة وتحقيق أهدافها، ويفتح الباب أمام مبادرات تنموية إضافية في قطاعات أخرى.
نحو استقرار طاقي يمهد لإعادة الإعمار
تمثل هذه المنحة خطوة مهمة نحو تحقيق قدر من الاستقرار الطاقي في اليمن، وهو ما يُعد شرطًا أساسيًا لأي عملية إعادة إعمار مستقبلية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الاقتصاد الوطني.
ومع استمرار الدعم السعودي، وتكامل الجهود المحلية والدولية، تلوح في الأفق فرصة حقيقية لوضع قطاع الكهرباء على مسار أكثر استدامة، يخدم المواطن، ويدعم مؤسسات الدولة، ويمهّد لتعافٍ تدريجي طال انتظاره.
ما حجم منحة الوقود السعودية لليمن؟
تبلغ المنحة 339 مليون لتر من الديزل والمازوت، بقيمة 81.2 مليون دولار.
كم عدد محطات الكهرباء المستفيدة؟
تستهدف المنحة أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات اليمنية.
ما الهدف الأساسي من المنحة؟
دعم قطاع الكهرباء، وتحسين استمرارية التيار، وتعزيز الاستقرار المعيشي والاقتصادي.
كيف تُضمن حوكمة توزيع الوقود؟
من خلال لجنة إشراف مشتركة وآليات رقابة لضمان وصول الوقود إلى المحطات المستحقة.
هل هذه أول منحة سعودية لقطاع الكهرباء اليمني؟
لا، سبق تقديم منح في أعوام 2018 و2021 و2022، إضافة إلى منحة 2026 الحالية.
اقرأ أيضًا: الرياض تفتح بوابة جديدة للعالم.. أمير المنطقة يدشّن الصالة الدولية 2 ويضاعف طاقة مطار الملك خالد



