رسالة من واشنطن تشعل ملف النيل.. هل تعود وساطة ترمب لتفكيك عقدة «سد النهضة» قبل الانفجار؟

الترند العربي – متابعات
في تطور سياسي لافت يعيد ملف «سد النهضة» الإثيوبي إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، تلقّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رسالة رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يعرض فيها استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، سعياً إلى التوصل لحل نهائي وعادل لأحد أكثر النزاعات المائية تعقيداً في العالم. الرسالة، التي حملت تحذيراً واضحاً من مخاطر تحول الأزمة إلى نزاع مفتوح، أعادت طرح أسئلة قديمة جديدة حول جدية الدور الأميركي، وحدود تدخله، وفرص نجاح أي مسار تفاوضي في ظل واقع سياسي وجيوسياسي بالغ الحساسية.

رسالة ترمب وتوقيت بالغ الدلالة
تكتسب رسالة ترمب أهميتها ليس فقط من مضمونها، بل من توقيتها أيضاً. فهي تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تراكماً للأزمات، من حرب غزة، إلى التوترات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وصولاً إلى سباق النفوذ الدولي في أفريقيا. اختيار ترمب توجيه رسالة شخصية ومباشرة إلى السيسي يعكس إدراكاً أميركياً متزايداً بأن أزمة «سد النهضة» لم تعد ملفاً فنياً قابلاً للاحتواء عبر لجان وخبراء، بل تحولت إلى قضية أمن قومي إقليمي، تحمل في طياتها مخاطر التصعيد غير المحسوب.

مخاوف النزاع في صلب الخطاب الأميركي
أبرز ما لفت الانتباه في رسالة ترمب هو تركيزها الصريح على «مخاطر النزاع». هذا التعبير، في العرف الدبلوماسي الأميركي، لا يُستخدم عادة إلا عندما ترى واشنطن احتمالاً حقيقياً لانزلاق أزمة ما إلى مواجهة أوسع. فالنيل، بالنسبة لمصر، ليس مجرد مورد مائي، بل شريان حياة وجودي، وأي تهديد جوهري له يُنظر إليه باعتباره مساساً مباشراً بالأمن القومي، وهو ما يجعل الملف قابلاً للاشتعال في أي لحظة إذا استمرت حالة الجمود.

إشادة بالسيسي ورسائل متعددة الاتجاهات
لم تخلُ رسالة ترمب من الإشادة بدور السيسي في ملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها جهود التهدئة في حرب غزة، وإدارة التحديات الإنسانية والأمنية منذ السابع من أكتوبر 2023. هذه الإشادة تحمل دلالتين أساسيتين: الأولى سياسية، تتعلق بتأكيد مكانة مصر كشريك محوري لا غنى عنه في استقرار الشرق الأوسط، والثانية تفاوضية، إذ تعكس محاولة أميركية لتهيئة مناخ إيجابي لأي تحرك وساطي مقبل.

رد القاهرة وترسيخ الثوابت
جاء رد الرئيس المصري متسقاً مع الموقف التقليدي للقاهرة، حيث ثمّن اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل، مؤكداً في الوقت ذاته حرص مصر على التعاون الجاد والبنّاء مع دول حوض النيل. هذا الرد يعكس توازناً دقيقاً بين الانفتاح على أي جهد دولي يمكن أن يسهم في حل الأزمة، وبين التمسك بالثوابت التاريخية المتعلقة بحقوق مصر المائية وعدم التفريط فيها تحت أي ظرف.
ترمب و«سد النهضة».. تاريخ من التصريحات المتقلبة
ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها ترمب عن «سد النهضة». فمنذ ولايته الأولى، أطلق تصريحات مثيرة للجدل، بعضها ذهب إلى حد الحديث عن «حق مصر في تدمير السد»، وهو ما أثار حينها موجة واسعة من الجدل. لكن الجديد هذه المرة يتمثل في الانتقال من التصريحات الإعلامية إلى مخاطبة رسمية مباشرة، ما يضفي على المبادرة بعداً أكثر جدية، حتى وإن ظل محفوفاً بعوامل الشك.
قراءة الخبراء.. بين الجدية والسعي للإنجاز الشخصي
يرى خبراء في الشؤون المائية والسياسية أن ترمب قد يكون أكثر جدية هذه المرة، خاصة في ظل رغبته المعلنة في تسجيل إنجازات دبلوماسية تُحسب له على الساحة الدولية. بعضهم يربط تحركه بسعيه الدائم للظهور بوصفه «صانع سلام»، فيما يرى آخرون أن عقلية الصفقات، التي تميّز شخصية ترمب، قد تدفعه لمحاولة توظيف الملف لتحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية.
فرص التوصل إلى اتفاق.. هل تغيرت المعادلة؟
من الناحية الفنية، تختلف الظروف الحالية عن جولات التفاوض السابقة. فقد اكتملت مراحل أساسية من ملء السد، وهو ما يغيّر طبيعة النقاش من خلاف حول سنوات الملء إلى نقاش حول قواعد التشغيل طويل الأمد. هذا التحول قد يفتح نافذة ضيقة للتوافق، شريطة وجود آليات ملزمة، ونظام مراقبة شفاف، وضمانات واضحة تمنع الإضرار بحقوق دولتي المصب، مصر والسودان.
إثيوبيا بين الضغوط والفرص
بالنسبة لإثيوبيا، فإن أي وساطة أميركية جديدة قد تمثل سيفاً ذا حدين. فمن جهة، قد توفر لها غطاءً دولياً يخفف من حدة الضغوط، ومن جهة أخرى قد تفرض عليها التزامات لم تكن مستعدة لقبولها في السابق. بعض التحليلات تشير إلى أن قبول أديس أبابا بأي مسار تفاوضي جدي قد يكون مرتبطاً بحوافز اقتصادية أو ترتيبات إقليمية أوسع، تشمل الوصول إلى البحر الأحمر أو تعزيز شراكاتها الدولية.
البعد الدولي للأزمة.. لماذا تهم واشنطن؟
لا تنظر الولايات المتحدة إلى أزمة «سد النهضة» بوصفها نزاعاً ثنائياً أو ثلاثياً فحسب، بل كملف يمس استقرار مناطق استراتيجية، من البحر الأحمر إلى شرق أفريقيا، وهي مناطق حيوية للمصالح الأميركية، سواء من حيث التجارة العالمية أو أمن الطاقة أو التوازنات الجيوسياسية. أي تصعيد عسكري محتمل قد ينعكس مباشرة على هذه المصالح، وهو ما يفسر عودة واشنطن إلى الواجهة.
غزة والقرن الأفريقي.. ملفات مترابطة
يربط بعض المحللين بين تحرك ترمب الأخير وتطورات حرب غزة، إلى جانب التحركات المصرية في القرن الأفريقي، ومساعي قوى إقليمية ودولية لتعزيز نفوذها هناك. في هذا السياق، تبدو أزمة «سد النهضة» جزءاً من لوحة أكبر لإعادة ترتيب الأوراق الإقليمية، حيث تسعى واشنطن إلى احتواء بؤر التوتر قبل أن تتقاطع وتتحول إلى أزمة شاملة.
مصر وخياراتها الاستراتيجية
بالنسبة لمصر، فإن التعامل مع المبادرة الأميركية يتطلب حذراً بالغاً. فالقاهرة تدرك أهمية أي دور دولي يمكن أن يخفف من حدة الأزمة، لكنها في الوقت ذاته واعية بمخاطر تحويل ملف السد إلى أداة ضغط في قضايا أخرى، سواء اقتصادية أو سياسية. من هنا، تبدو الحاجة ملحة لوضع خطوط حمراء واضحة، تضمن ألا يكون أي انخراط تفاوضي على حساب المصالح الحيوية للدولة.
هل تنجح الوساطة أم تبقى مؤقتة؟
تتباين التقديرات حول فرص نجاح الوساطة الأميركية. فالبعض يرى أن تدخل واشنطن على أعلى مستوى قد يشكل فرصة أخيرة لتفادي التصعيد، بينما يحذر آخرون من أن غياب التزامات قانونية ملزمة قد يجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار. التجارب السابقة تُظهر أن خفض التوتر لا يعني بالضرورة حل الأزمة من جذورها.
الرسالة وما بعدها
بغضّ النظر عن مآلات المبادرة، فإن رسالة ترمب تمثل تحولاً في طريقة التعاطي الأميركي مع ملف «سد النهضة». فهي تعكس اعترافاً ضمنياً بأن ترك الأزمة دون إدارة سياسية مباشرة يحمل مخاطر لا يمكن تجاهلها. كما تؤكد أن القاهرة لا تزال رقماً صعباً في معادلات الاستقرار الإقليمي، وشريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
سد النهضة.. عقدة لم تُحل بعد
بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة، لا يزال «سد النهضة» يمثل عقدة مركزية في العلاقات بين مصر وإثيوبيا، وملفاً مفتوحاً على كل الاحتمالات. الرسالة الأميركية قد تكون بداية مسار جديد، وقد تكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المبادرات غير المكتملة، لكن المؤكد أن الأزمة لم تعد تحتمل إدارة تقليدية.
ما مضمون رسالة ترمب إلى السيسي؟
عرض الرئيس الأميركي استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن «سد النهضة»، محذراً من مخاطر تحول الخلاف إلى نزاع عسكري.
لماذا يُعد توقيت الرسالة مهماً؟
لأنها تأتي في ظل توترات إقليمية متصاعدة، ما يعكس قلقاً أميركياً من تداعيات أمنية أوسع للأزمة.
هل هذه أول مرة يتدخل فيها ترمب في ملف السد؟
لا، سبق له إطلاق تصريحات عدة، لكنها المرة الأولى التي يوجه فيها رسالة رسمية مباشرة إلى القاهرة.
ما موقف مصر من الوساطة الأميركية؟
ترحب مصر بأي جهد جاد يضمن حقوقها المائية، مع التأكيد على ثوابت الأمن القومي وعدم التفريط في حقوق النيل.
هل فرص نجاح الوساطة مرتفعة؟
الفرص متوسطة، وترتبط بوجود آليات ملزمة وضمانات واضحة تضمن تنفيذ أي اتفاق محتمل.
اقرأ أيضًا: رونالدو يفرض اسمه في القمة رغم سقوط النصر والهلال يوسّع الفارق في دوري روشن



