من الحجر الأول إلى أعظم توسعة.. معرض يوثّق رحلة عمارة الحرمين عبر القرون
الترند العربي – متابعات
في قلب مكة المكرمة، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع العمق الحضاري، يفتح معرض «عمارة الحرمين» أبوابه بوصفه نافذة معرفية شاملة تُعيد سرد تاريخ المسجد الحرام والمسجد النبوي، لا بوصفهما معلمين معماريين فحسب، بل باعتبارهما سجلًا حيًا لتحولات الأمة الإسلامية عبر العصور. المعرض لا يقدّم مجرد صور أو مجسّمات، بل ينسج رواية متكاملة تبدأ من العهد النبوي، وتمتد عبر مراحل التاريخ الإسلامي، وصولًا إلى العهد السعودي الذي شهد أضخم مشاريع التوسعة والتطوير في تاريخ الحرمين الشريفين.
يأتي هذا المعرض ضمن حملة «ذاكرة مكة المكرمة»، التي تهدف إلى حفظ الإرث المكي وإبرازه للأجيال، في وقت تتسارع فيه التحولات العمرانية، وتتعاظم الحاجة إلى توثيق الجذور التاريخية والهوية المعمارية للمقدسات الإسلامية، بأسلوب علمي وتفاعلي يوازن بين الأصالة والتحديث.

رحلة معرفية تبدأ من العهد النبوي
يأخذ المعرض زوّاره في رحلة زمنية تبدأ من اللحظة التي وُضع فيها الحجر الأول للمسجد الحرام في العهد النبوي الشريف، مستعرضًا بسلاسة مراحل البناء الأولى التي اتسمت بالبساطة، وانعكست فيها روح التوحيد والوظيفة التعبدية الخالصة. ويقدّم شروحات دقيقة حول طبيعة العمارة في تلك المرحلة، والمواد المستخدمة، وكيف تطوّرت الحاجة إلى التوسعة مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتزايد أعداد المسلمين.
هذه المرحلة التأسيسية لا تُعرض بوصفها مجرد ماضٍ بعيد، بل كنقطة انطلاق لفهم فلسفة العمارة الإسلامية، التي تقوم على خدمة العبادة، وتيسير أداء الشعائر، قبل أي اعتبارات جمالية أو زخرفية.
العصور الإسلامية وتحوّلات البناء والتوسعة
ينتقل المعرض بعد ذلك إلى استعراض العصور الإسلامية المتعاقبة، كالعصرين الأموي والعباسي، وما شهده الحَرَمان الشريفان من توسعات وتغييرات معمارية فرضتها التحولات السياسية والديموغرافية. ويبرز كيف انعكست كل مرحلة تاريخية على شكل العمارة، سواء في تصميم الأروقة، أو ارتفاع المآذن، أو تنوع الزخارف والنقوش.
ويكشف العرض كيف كانت العمارة في الحرمين مرآة لحالة العالم الإسلامي في كل عصر، من حيث الاستقرار، والتقدّم الهندسي، وتطور الفنون الإسلامية، دون أن تفقد في أي مرحلة روحها الدينية ووظيفتها الأساسية.

المسجد النبوي.. تطوّر المكان ووحدة الرسالة
يحظى المسجد النبوي في المعرض بمساحة توثيقية خاصة، تسلّط الضوء على تطوره المعماري منذ تأسيسه في المدينة المنورة، مرورًا بمراحل التوسعة المختلفة، وصولًا إلى شكله المعاصر. ويُبرز المعرض كيف حافظ المسجد النبوي على مكانته الروحية، رغم التحولات المعمارية الكبرى التي شهدها عبر القرون.
ويُظهر العرض أن التوسعات لم تكن مجرد استجابة لزيادة أعداد الزائرين، بل كانت تعبيرًا عن اهتمام متواصل بخدمة زوار المسجد، مع مراعاة البعد الجمالي والرمزي للمكان.
العهد السعودي.. أكبر توسعة في التاريخ
يشكّل العهد السعودي محطة محورية في مسار المعرض، حيث يسلّط الضوء على أكبر مشاريع التوسعة والتطوير التي شهدها المسجد الحرام والمسجد النبوي في التاريخ الحديث. ويعرض المعرض نماذج ومجسّمات توضّح حجم هذه المشاريع، والتقنيات الهندسية المتقدمة التي استُخدمت فيها، لضمان سلامة وراحة ملايين الحجاج والمعتمرين.
ويبرز المعرض كيف نجحت هذه المشاريع في الجمع بين الحداثة الهندسية والحفاظ على الهوية الإسلامية، من خلال تصميمات تراعي الطابع المعماري الأصيل، وتخدم في الوقت ذاته متطلبات العصر.

حي أم الجود.. موقع يحمل الدلالة
يقع معرض «عمارة الحرمين» في حي أم الجود بمكة المكرمة، على مساحة تُقدّر بنحو 1200 متر مربع، صُمّم بعناية ليعكس الطراز الإسلامي العريق، ويمنح الزائر تجربة بصرية وثقافية متكاملة. اختيار الموقع لم يكن عشوائيًا، بل جاء ليؤكد ارتباط المعرض بالبيئة المكية، وليجعل من زيارته امتدادًا طبيعيًا لتجربة مكة الروحية.
التصميم الداخلي للمعرض يراعي حركة الزوار، ويتيح الانتقال السلس بين المراحل التاريخية، بما يخلق إحساسًا بالاستمرارية الزمنية، ويعزز من فهم التحولات المعمارية في سياقها التاريخي.
مجسّمات ووثائق تحكي التاريخ
منذ افتتاحه في الخامس والعشرين من شهر شوال عام 1420هـ، تحوّل المعرض إلى مركز توثيقي متطور، يضم مجسّمات معمارية دقيقة تُظهر شكل الحرمين في مختلف العصور، إلى جانب صور تاريخية نادرة، ومخطوطات ووثائق تُعد مصادر أصيلة لفهم تاريخ العمارة الإسلامية.
هذه العناصر لا تُعرض بوصفها مقتنيات جامدة، بل كأدوات سردية تفاعلية تساعد الزائر على استيعاب حجم التحولات، والجهود المتواصلة التي بُذلت للحفاظ على قدسية المكان وتطويره.
تفاصيل معمارية تحمل دلالات عميقة
يقدّم المعرض شروحات تفصيلية للعناصر المعمارية البارزة، مثل الأروقة، والمآذن، والقباب، والزخارف الإسلامية، موضحًا دلالاتها الدينية والفنية والوظيفية. ويبيّن كيف لم تكن هذه العناصر مجرد إضافات جمالية، بل أدوات تخدم أغراضًا محددة، كتنظيم حركة المصلين، وتحسين التهوية، وتحديد الاتجاهات.
كما يستعرض المعرض جهود الترميم والصيانة التي شهدها المسجد الحرام عبر التاريخ، مسلطًا الضوء على التحديات الهندسية التي واجهت القائمين على هذه المشاريع، والحلول المبتكرة التي طُبّقت في كل مرحلة.
التقنيات الحديثة في خدمة الشعائر
لا يغفل المعرض الجانب التقني المعاصر، حيث يبرز استخدام أحدث التقنيات الهندسية في مشاريع التوسعة الحديثة، مثل أنظمة التبريد، وإدارة الحشود، والهياكل العملاقة التي صُمّمت لتحمل أعدادًا غير مسبوقة من الزوار.
ويؤكد هذا الجانب أن عمارة الحرمين لم تتوقف عند حدود التراث، بل واصلت تطورها لتواكب العصر، دون التفريط في قدسية المكان أو هويته الإسلامية.
مكة المكرمة.. بعد حضاري يتجاوز العمارة
يتجاوز المعرض الجانب المعماري ليقدّم قراءة حضارية شاملة لمكة المكرمة، بوصفها مركزًا دينيًا وثقافيًا عالميًا شكّل عبر القرون نقطة التقاء للحضارات الإسلامية. ويعرض كيف أسهمت مكة في نقل المعرفة والفنون والعلوم، وكيف انعكس هذا الدور الحضاري على تطور العمارة في الحرمين الشريفين.
هذا البعد الحضاري يمنح الزائر فهمًا أعمق للعلاقة بين العمارة والمجتمع، ويُظهر أن تطور البناء كان دائمًا استجابة لحاجات الإنسان المسلم، الروحية والاجتماعية معًا.
تجربة ثقافية للأجيال
يمثّل معرض «عمارة الحرمين» تجربة ثقافية ثرية تستهدف مختلف الفئات، من الباحثين والمتخصصين، إلى الزوار العاديين، والطلاب، والمهتمين بتاريخ العمارة الإسلامية. ويجمع المعرض بين التوثيق العلمي والعرض التفاعلي، ما يسهم في تعميق الوعي بتاريخ الحرمين، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.
ويهدف المعرض في حلّته المتجددة إلى نقل هذا التراث إلى المجتمعين الإسلامي والعالمي، من خلال أساليب عرض حديثة تعزز التفاعل، وتوسّع المدارك المعرفية.
منصة تحفظ الذاكرة وتستشرف المستقبل
يأتي المعرض بوصفه منصة معرفية لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تستعرض الحاضر، وتستشرف المستقبل، مؤكدة أن عمارة الحرمين ليست مجرد بناء، بل قصة مستمرة تعكس قدسية المكان، وعظمة الرسالة التي انطلقت من مكة المكرمة إلى العالم.
ويُبرز المعرض أن الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية جماعية، تتطلب توثيقًا دقيقًا، وفهمًا عميقًا للسياق التاريخي، واستشرافًا واعيًا لمتطلبات المستقبل.
حملة ذاكرة مكة المكرمة
تندرج هذه الجهود ضمن حملة «ذاكرة مكة المكرمة»، وهي مبادرة إستراتيجية تسعى إلى إبراز المعالم التاريخية والمعرفية للمدينة المقدسة، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرتها الإنسانية والحضارية. وتهدف الحملة إلى حفظ هذا الإرث، وتقديمه بأسلوب معاصر، يوازن بين الأصالة والتجديد.
ما الهدف الرئيسي من معرض عمارة الحرمين؟
توثيق تاريخ العمارة الإسلامية في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإبراز مراحل البناء والتوسعة عبر العصور.
أين يقع معرض عمارة الحرمين؟
يقع في حي أم الجود بمكة المكرمة على مساحة تُقدّر بنحو 1200 متر مربع.
ما أبرز المراحل التي يستعرضها المعرض؟
العهد النبوي، العصور الإسلامية المتعاقبة، والعهد السعودي الذي شهد أكبر توسعات الحرمين.
ما نوع المعروضات داخل المعرض؟
مجسّمات معمارية دقيقة، صور تاريخية نادرة، مخطوطات، ووثائق توثّق تطور العمارة.
ما علاقة المعرض بحملة ذاكرة مكة المكرمة؟
يأتي المعرض ضمن الحملة التي تهدف إلى حفظ إرث مكة المكرمة وإبرازه للأجيال بأسلوب معرفي وتفاعلي.
اقرأ أيضًا: الغذاء يصل إلى أقصى الشمال الأفغاني.. مبادرة سعودية تُنقذ مئات الأسر في بدخشان



