آراء

السينما والقوة التخيلية

إيمان محمد

ينقسم محبو الأفلام بعد مشاهدتهم لها إلى اهتمامات مختلفة في التأثير والانطباع الذي يعقب هذه المشاهدة، فالبعض يرى أن قوة الفيلم تكون في جرعة الوعي الذي تتركه بحصيلة المعلومات والمعارف والثقافات التي غذت فضوله وشغفه، والبعض يراها في الحالة الوجدانية التي تخلفها بمجرد المشاهدة، كوميدية كانت أو تراجيدية. ويختلف الانطباع من شخص لآخر بعد مشاهدته لأي فيلم، إلا أن الجميع يتفق على أن العنصر الأهم الذي يغذي بؤرة الشغف بداخلنا هو «القوة التخيلية» التي تتملك المشاهد والتي تعتبر الجسر الذي من خلاله يعبر المخرج والسيناريو إلى عقل المتفرج طوال ساعات الفيلم، وأحيانًا إلى ما بعد ساعات الفيلم، على مبدأ أن الراحة التخيلية التي تلازمنا أثناء مشاهدة الفيلم هي راحة حقيقية تحل محل التعبير عن معانٍ إنسانية بأعماقنا وتجعلها مرتبطة فيها، ويفسر حالة الحنين التي تتملكنا عند تكرار مشاهدة فيلمنا المفضل دون ملل .

تأتي “القوة التخيلية” كمحور هام في عملية إخراج الفيلم، أو في كتابته، أو في المزج بينهما، أو في الانفراد بأحدهما دون الآخر. على سبيل المزج في الإخراج تحضرني الإضافة التي قام بها المخرج كولن تيغ في مسلسل “رشاش” للقطات متفرقة لجموح الخيل وهيجانه الذي كان يصاحب خيال البطل عند تعاطيه للحبوب المخدرة؛ ما أشعرنا كمشاهدين خياليًا بالحالة التي تتملك الشخصية بعد هذا التعاطي، وما النتيجة التي ترتبت على ذلك فيما بعد. تأتي القوة التخيلية في مواضع أخرى أيضًا متطرفة إلى مستوى الفانتازية، إلا أنها تبقى خالدة في عقل المشاهد ومرتبطة بوجدانه كلما كانت مقنعة ومتناسبة مع الفكرة التي تفسرها أو تأتي كداعم لها.

بعض الأفلام السينمائية والأعمال الدرامية ابتعدت عن تفعيل محور «القوة التخيلية» أو لم توظفه بالشكل المطلوب؛ ما أعطى انطباعًا لدى المتفرج بحالة من التشتت وعدم إيجاد رابط يجمع مشاهد الفيلم في ذاكرته القصيرة قبل الطويلة، وبعضها الآخر بالغ في توظيف التشويق ورفع حدة التوتر مقابل عدم الاهتمام بإيجاد هذا النوع من التفاعل التخيلي بين النص والإخراج وما ينتج عنهما من تأثير.

لا أذكر اسم المخرج المبدع لأحد الأفلام التي شاهدتها في سن صغيرة، سوى أن المشهد ملازم لي لهذه اللحظة بموسيقاه وبحالة التوتر التي عاشها الممثل بعد أن قام بجريمة القتل وأراد أن يمحو بصماته وآثاره من مسرح الجريمة، وهو في ذات الوقت مصاب بوسواس النظافة الذي جعله يلازم موقع الجثة بعد أن صور المخرج رؤية القاتل المريض للبصمات على أنها تظهر أمامه بشكل أكبر كلما محاها من مسرح الجريمة حتى تم اعتقاله وهو ما زال يخفيها .

في رأيي أن الخيال الذي يفرضه الفيلم علميًا كان مدمجًا بالواقعية، يجعلنا نتخيل شعورًا يثير فينا انطباعًا يغذي بداخلنا السعادة أو الحزن، والتي تغذي هي الأخرى شعور الأمل والطمأنينة وتسمح بسحر الوهم «التخيل» طالما أن العواطف تسببه، وطالما أنها تعوض جزءًا نفتقده .

المصدر: سوليوود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى