
أنت لا تستخدم مواقع التواصل.. هي التي تستخدمك!
عمر غازي
في عام 2021 نشرت شركة “Facebook” ضمن ما عُرف لاحقًا بـ”Facebook Files” وثائق داخلية كشفت أن خوارزميات المنصة كانت تعطي أولوية للمحتوى الذي يثير تفاعلًا أعلى حتى لو كان هذا التفاعل قائمًا على الغضب أو الاستقطاب، لأن هذا النوع من المحتوى يُبقي المستخدم داخل التطبيق لفترة أطول، وهو ما يعني زيادة العائد الإعلاني، هذه النتيجة لم تكن استنتاجًا خارجيًا، بل جاءت من تحليل داخلي للشركة نفسها، ما يعني أن الهدف لم يكن فقط عرض ما يهم المستخدم، بل ما يجعله يبقى، وهنا يظهر التحول من فكرة “الخدمة” إلى فكرة “الاحتفاظ”، حيث يصبح الزمن الذي تقضيه داخل المنصة هو المنتج الحقيقي الذي يُباع في الخلفية.
في عام 2023 أظهر تقرير “Digital News Report” الصادر عن “Reuters Institute” أن نسبة كبيرة من المستخدمين باتت تعتمد على منصات التواصل كمصدر رئيسي للأخبار، خصوصًا بين الفئات الأصغر سنًا، لكن التقرير أشار أيضًا إلى أن ما يراه المستخدم لا يأتي من اختيار حر بالكامل، بل من خوارزميات ترتيب تحدد مسبقًا ما يظهر أولًا، ما يعني أن عملية الاطلاع نفسها تبدأ من اقتراح لا من قرار، ومع تكرار هذا النمط يصبح الاقتراح هو المسار الطبيعي للمعرفة، بينما يتراجع البحث الواعي إلى الخلف.
إذا جمعنا هذين المسارين يتضح أن العلاقة مع المنصات ليست كما تبدو، نحن نظن أننا ندخل لنرى ما نريد، بينما الواقع أن ما نراه هو ما صُمم ليجذبنا، نحن نبحث، لكن ضمن مساحة مُعاد ترتيبها مسبقًا، نختار، لكن من قائمة جرى تحديدها قبل أن نصل إليها، ومع كل مرة نعتقد فيها أننا نمارس حريتنا، نكون في الواقع نتحرك داخل حدود مرئية جزئيًا وغير مرئية في معظمها، حدود لا تمنعنا من الاختيار، لكنها تعيد تشكيل الخيارات نفسها.
في دراسة منشورة عام 2018 في مجلة “Nature Communications” حول أنماط استهلاك المعلومات، وُجد أن المستخدمين يميلون إلى التفاعل مع المحتوى الذي يتوافق مع تفضيلاتهم السابقة، ومع مرور الوقت تقوم الأنظمة بتعزيز هذا النمط عبر اقتراح محتوى مشابه، ما يخلق دائرة مغلقة بين السلوك والاقتراح، حيث لا يعود المستخدم يرى التنوع الكامل للمحتوى، بل النسخة الأقرب لما اعتاد عليه، ومع كل دورة جديدة تصبح هذه النسخة أكثر دقة في تمثيل اهتماماته، لكنها في الوقت ذاته أكثر ضيقًا في أفقها.
المسألة هنا لا تتعلق بخداع مباشر، فلا أحد يمنعك من البحث عن رأي مخالف، ولا أحد يغلق أمامك بابًا معينًا، لكن ما يحدث هو إعادة ترتيب دقيقة لما هو قريب وما هو بعيد، ما هو ظاهر وما هو مخفي، ومع طبيعة الانتباه البشري المحدودة، فإن ما يظهر أولًا وما يتكرر أكثر يصبح هو الأرجح للاختيار، ليس لأنه الأفضل، بل لأنه الأقرب، ومع الزمن يتحول هذا القرب إلى ألفة، وهذه الألفة إلى قناعة.
حين تمسك هاتفك وتبدأ في التمرير، أنت لا تتنقل في محتوى محايد، بل في بيئة صُممت لتحتفظ بك، كل ثانية تقضيها داخل التطبيق تم قياسها، وكل تفاعل قمت به تم تسجيله، وكل تفضيل أظهرته تم تحويله إلى إشارة تُستخدم لإعادة تشكيل ما سيظهر لك لاحقًا، ومع كل دورة يصبح النظام أكثر دقة في معرفة ما يجذبك، لا ما يفيدك بالضرورة، وهنا يبدأ الفرق بين “ما نريد أن نراه” و”ما نُدفع لرؤيته” في الاتساع دون أن نشعر.
هذا التفاعل المستمر بين المستخدم والنظام لا يعمل في اتجاه واحد، بل في حلقة مغلقة، حيث يتعلم النظام من سلوكك، ثم يعيد تشكيل بيئتك، ثم يتعلم من رد فعلك على هذه البيئة، وهكذا تتشكل علاقة ديناميكية تجعل الخوارزمية أقرب إلى مرآة ذكية تعكسك، لكنها في الوقت نفسه تعدل هذه الصورة تدريجيًا، فتضخم جانبًا وتهمّش آخر، حتى تصبح النسخة التي تراها من العالم ليست فقط انعكاسًا لك، بل نسخة محسّنة من حيث قدرتها على إبقائك متفاعلًا.
في هذا السياق، لا يعود الانتباه مجرد قدرة ذهنية، بل يتحول إلى مورد اقتصادي، ومع كل نقرة أو مشاهدة أو تعليق، يتم تحويل هذا المورد إلى بيانات، ثم إلى نماذج تحليلية، ثم إلى قرارات تسويقية أو إعلامية، وهو ما أشار إليه تقرير “McKinsey Global Institute” حين أكد أن البيانات السلوكية أصبحت من أهم مصادر القيمة الاقتصادية في العصر الرقمي، وأن الشركات التي تستطيع تحليل هذه البيانات بدقة تحقق تفوقًا تنافسيًا واضحًا، ما يعني أن ما يبدو لنا استخدامًا يوميًا عاديًا هو في الواقع جزء من منظومة إنتاج مستمرة.
المفارقة أن هذه المنظومة لا تعمل عبر الإكراه، بل عبر الجاذبية، لا تجبرك على البقاء، لكنها تجعل المغادرة أقل جاذبية، لا تفرض عليك رأيًا، لكنها تجعل بعض الآراء أكثر حضورًا من غيرها، ومع الوقت يتشكل توازن غير مرئي بين ما نختاره وما يُعرض علينا، توازن يميل تدريجيًا لصالح ما يحقق التفاعل الأعلى، لا ما يعكس الحقيقة الأوسع.
ومع تراكم هذا النمط، يبدأ تأثير أعمق في الظهور، ليس فقط على مستوى ما نراه، بل على مستوى ما نعتقد أنه مهم، لأن العقل البشري يميل بطبيعته إلى إعطاء وزن أكبر لما يتكرر أمامه، ومع كل تكرار جديد، يزداد هذا الوزن، حتى يتحول إلى معيار ضمني لتقييم الواقع، فنظن أن ما يشغلنا هو الأكثر أهمية، بينما قد يكون ببساطة الأكثر حضورًا في مقدمة الشاشة.
هذا لا يعني أن المستخدم فاقد للإرادة أو أن الخوارزمية تتحكم فيه بشكل مطلق، بل يعني أن هناك إعادة توزيع مستمرة لفرص الانتباه، إعادة تجعل بعض المسارات أسهل من غيرها، وبعض الأفكار أقرب من غيرها، ومع الوقت تصبح هذه السهولة عاملًا حاسمًا في تشكيل السلوك، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى المسار الأقل مقاومة، حتى لو لم يكن الأكثر وعيًا.
في هذا الإطار، يمكن فهم مواقع التواصل ليس فقط كمنصات محتوى، بل كأنظمة توجيه غير مباشرة، لا تقول لك ماذا تفعل، لكنها تحدد لك ما الذي يستحق أن تراه أولًا، وما الذي يمكن أن تنتبه له لاحقًا، وما الذي قد لا تراه أبدًا، ومع هذا الترتيب المستمر، يتشكل نوع من “الواقع المفلتر” الذي نعيش داخله دون أن نلاحظ حدوده.
وهنا يظهر السؤال الأهم، إذا كان الانتباه هو المورد الأكثر قيمة في هذا العصر، وإذا كانت الخوارزميات هي التي تعيد توزيعه باستمرار، فمن يملك هذا المورد فعليًا، هل نحن من نقرر أين نوجه انتباهنا، أم أن انتباهنا نفسه أصبح جزءًا من نظام أكبر يعاد توجيهه بشكل مستمر لتحقيق أهداف لا نراها بالكامل، وربما لا نفكر فيها أصلًا، وهل ما نعيشه اليوم هو استخدام حر للتكنولوجيا، أم علاقة أكثر تعقيدًا أصبحنا فيها جزءًا من منظومة تستخدمنا ونحن نظن أننا نستخدمها؟



