كُتاب الترند العربي

ظاهرة العنف الأسري

عصام محمد عبدالقادر

يعد العنف الأسري نسقاً من السلوكيات القسرية التي تتخذ من المحيط العائلي ميدانًا لآثارها العدوانية، سواء أعبر الممارسات المادية المباشرة أم التجاوزات الرمزية واللفظية، التي يفرضها أحد الأفراد على الآخرين، مستغلاً تفاوت موازين القوة داخل هذا الكيان الاجتماعي؛ حيث تظهر هذه الأفعال في صور شتى تتراوح بين التهديد النفسي والإيذاء البدني المجرد من الشرعية الأخلاقية والقانونية، مما يؤول بالضرورة إلى إلحاق أضرارٍ مادية ومعنوية بالغة تتفاوت درجات حدتها بدءًا من الاستثارة العاطفية وصولاً إلى الانتهاكات الجسيمة المهددة للسلامة الكلية للفرد والمجتمع في آن واحد.

تنبع هذه الظاهرة من أنماط سلوكية تمس البناء الهيكلي للمجتمع الصغير وتلقي بظلالها القاتمة على استقرار الأفراد، إذ يضع العنف المعنوي اللبنة الأولى في جدار القطيعة عبر آليات الترهيب اللفظي والإهانة الممنهجة والتحقير المتعمد الذي يستهدف تقويض الكيان النفسي للضحية وتفتيت ثقتها بذاتها، ثم يمتد العنف الجسدي في تراتبية عدائية تبدأ من التلويح بالقوة والاعتداء المادي البسيط وصولاً إلى ممارسات الركل واللكم، التي قد تفضي إلى إصابات بالغة أو عاهات مستديمة، وربما تودي بحياة الأفراد في حالات الاستقواء المفرط التي تشهدها النزاعات العائلية الحادة.

يتخذ الاستلاب منحىً مغايراً حين يبرز العنف الاقتصادي كأداة للهيمنة عبر حرمان الأفراد من الموارد المالية أو تقييد حريتهم في التصرف بملكيتهم الخاصة، مما يكرس حالة التبعية القسرية لتلبية الاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى الأشكال المستحدثة من الانتهاكات المرصودة في العنف الرقمي أو “التسليع” المعاصر عبر استغلال أفراد الأسرة في الفضاءات الافتراضية لتحقيق مآرب مادية، أو وجاهة اجتماعية زائفة ضد إرادتهم الحرة، وهذا يعكس تداخلاً وثيقاً بين الجوانب النفسية والجسدية والمجتمعية يفرض ضرورة تبني مقاربات علاجية ووقائية تتسم بالشمولية والقدرة على استيعاب هذه التعقيدات البنيوية.

تضرب ظاهرة العنف الأسري بجذورها في أعماق تشابكات تجمع بين الأبعاد الثقافية والظروف الاقتصادية ضمن سياقات سوسيولوجية متباينة، إذ يتصدر غياب الوعي الرشيد بمهارات إدارة النزاعات المشهد القيمي مسبباً انحرافاً في مفهوم السلطة الأسرية من مقتضيات الرعاية والمسؤولية التشاركية إلى ممارسات الهيمنة الأحادية، وهو ما يذكي أوار التعدي على الحقوق الإنسانية والتنصل من الواجبات المعنوية مدفوعاً بضعف الضبط الأخلاقي، الذي يشكل حصانة الفرد السلوكية، توازيها ضغوطات المحور الاقتصادي التي تفرز اختلالات حادة في تدبير الموارد وتفاقم الفجوات المادية بين الشريكين، وصولاً إلى الانحدار في آفة الإدمان التي تمزق النسيج الأسري وتحول العنف إلى أداة لتفريغ الاحتقان الناتج عن ضيق العيش وسوء إدارة المقدرات.

تبرز مهددات الخصوصية في الجانب الاجتماعي عبر التدخلات الخارجية وإفشاء الأسرار كمعاول هدم للكيان الداخلي، ترفدها خطورة التنشئة في بيئات مشبعة بالعدائية تكرس السلوك العنيف كنمط مكتسب ينتقل عبر الأجيال، فضلاً عن العزلة الشعورية التي فرضها الاغتراب الرقمي والانكفاء على الوسائط الافتراضية مما ولد جفاءً وجدانياً أفضى إلى تفكك الروابط البينية وغياب لغة الحوار السوي؛ إذ يشكل غياب الوعي بالمنظومة الحقوقية والقيم الإنسانية الناظمة للعلاقة الزوجية ركيزة أساسية لهذا الخلل، إذ يؤدي الجهل بالأسس التشاركية والمسؤوليات المتبادلة إلى انتهاك الخصوصية والقصور في التأهيل المعرفي الواجب للمقبلين على تكوين الأسرة.

تتعمق مسببات العنف مع تزايد الضغوط المادية المتمثلة في تدني المستوى المعيشي والبطالة وسوء تدبير الموارد كونهما يمثلان وقوداً للاضطرابات الداخلية التي يغذيها أحياناً ارتهان الإرادة للمؤثرات العقلية، كما تبرز الموروثات الثقافية التقليدية التي تكرس الهيمنة واتساع فجوة الأمية في ظل تعقيدات الحياة المعاصرة كعوامل تعزز الاغتراب النفسي وتجهض فرص التفاهم البيني، وصولاً إلى القصور في تفعيل التشريعات الرادعة الذي قد يمنح بيئة خصبة لتكرار التجاوزات في حال غياب الحماية المؤسسية، مما يحتم صياغة مقاربة إصلاحية شمولية تستوعب هذه التقاطعات لضمان استقرار البناء المجتمعي.

تنبثق ضرورة صياغة استراتيجية وقائية شاملة من حتمية التكامل بين الركائز الروحية والأخلاقية والمقومات النفسية والاجتماعية، إذ يمثل الالتزام بالقيم العقائدية وفهم المقاصد الناظمة للحقوق والواجبات الزوجية أداة محورية لترسيخ المسؤولية الأسرية ونشر ثقافة الرفق كمنطلق أصيل في التعامل مع ضبط أوجه الحزم بحدودها المشروعة، ويتسق ذلك مع أهمية النضج السيكولوجي في تمكين الأفراد من مجابهة الضغوط الحياتية وتحقيق التكافؤ الموضوعي في الجوانب التعليمية والمادية التي تضمن إرساء علاقة متوازنة تقوم على التوافق في سياسات التنشئة وأساليب الحوار المثمر.

تتعزز المنظومة الوقائية بامتلاك مهارات التخطيط الاستراتيجي للحياة الأسرية وإدارة الموارد المالية وتنظيم الوقت بكفاءة، كونها أدوات فاعلة لتقليص مساحات النزاع وتوفير بيئة طاردة للاحتكاكات الناتجة عن الضغوط المعيشية؛ حيث يمنح الاستقرار المادي وتلبية الاحتياجات الأساسية حماية مباشرة للبناء الأسري من التصدع، مما يؤكد أن تحصين الأسرة من نزعات العنف يتوقف على تبني مقاربة شمولية تذيب الفواصل بين الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية لتشكل في مجموعها سياجاً آمناً يضمن استدامة السلم الأسري وتماسكه.

تستوجب كبح جماح العنف الأسري بلورة رؤية أكاديمية تدمج بين المحددات السلوكية والتربوية والمسارات التأهيلية والأطر القانونية؛ إذ يشكل تبني قيم التسامح والتغاضي عن الهفوات العارضة مع صون خصوصية الفضاء الأسري من التدخلات الخارجية مرتكزاً حيوياً لتعزيز التماسك وترسيخ بيئة قوامها الاحترام البيني، وتكتمل هذه المنظومة عبر تفعيل الدور الرقابي والتشريعي للمؤسسات من خلال سن القوانين الرادعة وتطبيقها بما يكفل الحد من التجاوزات السلوكية، مع التحفيز على استشارة المتخصصين في معالجة النزاعات المستعصية وفق آليات علمية رصينة، ليبقى تطويق هذه الظاهرة رهيناً بتضافر الأبعاد التي تربط بين الانضباط السلوكي والتأهيل المعرفي المستمر والدعم القانوني المؤسسي لضمان استدامة الأمن والاستقرار في البناء الاجتماعي.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

المصدر: اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى