
العيد..
عمر غازي
لم يكن العيد يومًا..
كان حالة.
تستيقظ قبل الفجر دون منبّه،
لا لأنك منضبط،
بل لأن داخلك شيء لا يريد أن يفوّت اللحظة.
الملابس الجديدة موضوعة بعناية،
برائحة قماش لم يُغسل بعد،
كأنها وعد صغير بأن هذا اليوم مختلف.
لم تكن تملك الكثير،
لكن ما كنت تملكه كان يكفيك تمامًا.
العيدية، مهما كانت قليلة،
كانت كفيلة بأن تجعلك تشعر أنك ثري لعدة ساعات.
تخطط لها،
تحسبها،
ثم تُنفقها بسرعة غبية،
ولا تندم.
تخرج،
الوجوه مألوفة،
الضحك سهل،
والأيام لا تحمل ثقلًا.
لم تكن تفكر في الغد،
ولا في معنى الحياة،
ولا في أي شيء كبير.
كنت تعيش فقط.
ثم حدث شيء لا نتذكره بدقة.
لم تختفِ الطقوس.
ما زالت الملابس موجودة،
والزيارات،
والرسائل التي تُنسخ وتُرسل بالجملة.
كل شيء يبدو كما هو،
إلا الشعور.
تستيقظ الآن متأخرًا،
ليس لأنك كسول،
بل لأن لا شيء ينتظرك فعلًا.
ترتدي الجديد،
لكن دون تلك الرعشة الصغيرة في الداخل.
تستقبل التهاني،
وترد عليها،
وأنت تعرف أن الأمر كله أصبح أداءً متقنًا.
العيد لم يتغير.
نحن الذين تغيّرنا.
كبرنا،
وفهمنا أكثر مما ينبغي.
صرنا نرى ما وراء الأشياء،
نحسبها،
نقارنها،
نُثقلها بأسئلة لم تكن موجودة.
فقدنا القدرة على الانبهار،
وهذه خسارة لا تُعوّض.
لم يعد هناك أول مرة.
كل شيء جرّبناه من قبل،
أو نظن أننا فعلنا.
حتى الفرح،
صار نسخة مكررة لا تدهشنا.
والأصعب،
أننا لم نفقد العيد وحده،
بل فقدنا أنفسنا التي كانت تفرح به.
ذلك الطفل لم يكن ساذجًا كما نتصور،
كان أخف.
لا يحمل هذا القدر من الحسابات،
ولا هذا الصوت الداخلي الذي لا يصمت.
نحن الآن نعرف أكثر،
لكننا نشعر أقل.
ربما لهذا نحاول كل عام أن نُعيد خلق الشعور.
نشتري،
نخرج،
نجتمع،
نُجامل،
نضحك قليلًا،
ثم نعود إلى نفس الجملة الصامتة
مش زي زمان.
لكن الحقيقة التي نغفلها، أن السر لم يكن في العيد، كان السر فينا.. كنا نحن العيد.



