كُتاب الترند العربي

لا تحزن على رحيل شهر رمضان.. اسأل ماذا بقي منك؟

د. بندر الحنيشي

بادئَ ذي بدء، تقبّل الله منا ومنكم، وجعل ما مضى شاهدًا لنا لا علينا.

ها هو شهرُ رمضان يوشك أن يرحل، وكثيرون يحزنون على فراقه، لكن لنكن أكثر صراحة، الحزن وحده لا يصنع تحولًا، والمشاعر مهما صدقت لا تغيّر الواقع ما لم تتحول إلى التزامٍ عملي.

الدموع لحظة، أما القرارات فهي مسار.

لم يكن شهر رمضان حالةً وجدانية عابرة، بل كان برنامجًا مكثفًا لإعادة ضبط الحياة،

ثلاثون يومًا من الانضباط الصارم؛ وقتٌ محسوب، وامتناعٌ كامل، والتزام يومي، ومراجعة للنفس، واتصال مباشر بالله.

لم يكن مجرد جو روحاني مؤقت، بل تدريبًا عمليًا على السيطرة، وعلى ترتيب الأولويات، وعلى أن تقول لنفسك عند الحاجة: قف.

إن كنت تحزن على رحيله، فالسؤال الحقيقي ليس كيف انتهى؟

بل، ماذا تغيّر فيك؟

هل أصبحت أقدر على ضبط لسانك؟

هل خف اندفاعك نحو الشهوة والغضب؟

هل اقتربت من القرآن حقيقةً، أم كان الأمر سباقَ ختمات؟

هل تعلقت بالمسجد لأنه بيت الله، أم لأن الأجواء كانت مختلفة؟

رمضان لا يرحل.

الذي يرحل هو الانضباط إن تركته يرحل.

والذي يذوب هو العزم إن لم تحمه بعادةٍ ثابتة بعد العيد.

كن عمليًا؛ خذ من رمضان نظامه لا موسمه.

ثبّت لنفسك موعدًا يوميًا للقرآن ولو عشر دقائق لا تتزحزح.

اجعل لك صيامًا دوريًا ولو يومين في الشهر.

التزم بركعتين قيام قبل النوم مهما كان يومك مزدحمًا.

خفّف من ضجيج حياتك كما خففته في رمضان.

واجعل لك صدقةً شهريةً ولو كانت يسيرة.

لا تقل، انتهى الشهر.

قل: انتهى التدريب، وبدأ الاختبار.

في رمضان كنت قادرًا أن تقول لشهوتك: لا.

كنت تتحكم في وقتك.

كنت تستيقظ للفجر مهما كان نومك عميقًا.

إذن القدرة موجودة، والانضباط ممكن، والعذر أضعف مما تتصور.

لم تكن الحالة استثناءً، بل كانت برهانًا على إمكاناتك حين تقرر.

أما الليالي الأخيرة فهي لحظة الحسم.

في كل مشروع عظيم، الدقائق الأخيرة هي التي تحدد القيمة.

فلا تستعجل الخروج من الميدان، ولا تنشغل بمكاسب العيد الصغيرة وتنسى الهدف الأكبر.

ربما دعوة صادقة في آخر ليلة تفتح لك بابًا لم يُفتح طوال الشهر، وربما لحظة حضورٍ كامل تغيّر مسار عامٍ كامل.

العيد ليس إعلان انتهاء الطاعة، بل إعلان نجاح مرحلة.

فإن خرجت من رمضان أكثر وعيًا، وأكثر انضباطًا، وأكثر اتصالًا بالله، فقد ربحت.

وإن عدت كما كنت، فلن ينفعك الحزن، ولن يغيّرك الحنين.

لا تبالغ في الرثاء، بالغ في الاستمرار.

لا تتغن بالمشاعر، ثبّت العادات.

لا تقل: سنشتاق، قل: سنواصل.

لم يكن شهر رمضان استثناءً في حياتك،

بل نموذجًا لما تستطيع أن تكون عليه طوال العام.

فإما أن تجعله ذكرى جميلة تروى،

وإما أن تجعله نقطة تحوّل تُبنى عليها حياتك.

والفرق بين الاثنين، قرار تتخذه اليوم، لا أمنية تؤجلها إلى شهر رمضان القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى