
النهايات الجميلة
فوزية الشيخي
تمر أيام رمضان بسرعة مدهشة، كأنها ومضة نور تعبر القلب ثم تمضي. ما إن يستقبله الناس بلهفة الشوق حتى يجدوا أنفسهم يلوحون له مودعين. وكأن هذا الشهر الكريم يذكرنا بحقيقة الحياة نفسها؛ قصيرة في ظاهرها، عميقة في أثرها، والعبرة فيها ليست بطولها بل بما يزرع فيها من خير وصدق.
لكن أهل البصيرة لا يقيسون رمضان ببدايته، ولا يكتفون بفرحة قدومه، بل ينظرون إلى خاتمته. فهم يعلمون أن العبرة ليست بكيف بدأ الطريق، بل بكيف انتهى. وكم من بداية كانت عادية، ثم ختمت بعمل صادق فصارت عظيمة، وكم من بداية كانت قوية، ثم فترت العزائم ففقدت بريقها.
ولهذا كانت العشر الأواخر خلاصة رمضان وروحه، وذروة أيامه ولياليه. فيها يزداد الساعي اجتهادا، ويضاعف المؤمن خطواته نحو الله، كأنما يشعر أن الفرصة تقترب من نهايتها، وأن أبواب الرحمة ما زالت مفتوحة لمن طرقها بصدق.
في هذه الليالي يخفت ضجيج الدنيا، وتعلو همسات الدعاء. تمتد الأيدي إلى السماء برجاء صادق، وتفيض القلوب بنداءات التوبة والرجوع. إنها ليال يراجع فيها الإنسان نفسه، ويعيد ترتيب قلبه، ويستدرك ما فاته من أيام الشهر. وفي قلب هذه الليالي تشرق ليلة القدر؛ تلك الليلة التي جعلها الله خيرا من ألف شهر. ليلة تتبدل فيها المقادير، وتكتب فيها الأرزاق، وترفع فيها الدعوات. من أدركها بقلب حاضر فقد فاز بكنز لا يقدر بثمن.
إن العشر الأواخر ليست مجرد أيام إضافية في نهاية رمضان، بل هي فرصته الذهبية، وساعاته الأثمن. هي اللحظة التي يقرر فيها الإنسان كيف يريد أن يكتب ختام شهره: هل يكون ختام تعب وفتور، أم ختام سعي وصدق وقرب من الله؟
وإذا كان رمضان هو غرة الشهور، فإن عشره الأواخر هي تاج تلك الغرة، وزينتها التي تكتمل بها. فيها يعلو نور الطاعة، ويصفو القلب من شوائب الغفلة، ويشعر المؤمن أنه أقرب ما يكون إلى ربه.
فطوبى لمن فهم سر هذه الأيام، فشد همته فيها، وجعلها بداية جديدة لقلبه. فالنهايات الجميلة لا تأتي صدفة، بل تكتب بالاجتهاد والصدق والإقبال.
وهكذا تمضي العشر الأواخر، لكنها تترك في القلب أثرا لا يزول… لأن من أحسن ختام رمضان، فقد تعلم كيف يحسن ختام الطريق كله.
المصدر: سبق



