كُتاب الترند العربيعمر غازي

معضلة توليد الوظائف في الاقتصاد الحديث.. لماذا لم تعد الحكومات وحدها قادرة على حلها؟

عمر غازي

في تقرير “Future of Jobs Report 2023” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2024 أُشير إلى أن سوق العمل العالمي يمر بتحول عميق، إذ يتوقع التقرير أن تختفي نحو 83 مليون وظيفة تقليدية بحلول عام 2027 مقابل ظهور نحو 69 مليون وظيفة جديدة، أي أن صافي التغير سيعني تراجعًا يقارب 14 مليون وظيفة على مستوى العالم، هذه الأرقام لا تعكس أزمة اقتصادية عابرة بقدر ما تكشف تحولا هيكليًا في طبيعة توليد الوظائف نفسها.

لقد اعتادت الحكومات تاريخيًا أن تلعب دور رب العمل الأكبر في المجتمع، خصوصًا في الدول النامية، حيث توسعت الأجهزة الحكومية خلال القرن العشرين لتستوعب أعدادًا كبيرة من الداخلين إلى سوق العمل، لكن هذا النموذج أصبح محدود القدرة على الاستمرار، لأن نمو السكان وقوة العمل أصبح أسرع بكثير من قدرة الدولة على خلق وظائف حكومية جديدة، كما أن تضخم القطاع العام غالبًا ما يؤدي إلى انخفاض الكفاءة الاقتصادية وارتفاع العبء المالي على الميزانيات العامة.

لهذا السبب تشير معظم الدراسات الاقتصادية الحديثة إلى حقيقة أساسية، وهي أن الوظائف تُخلق أساسًا في القطاع الخاص، وليس في الجهاز الحكومي، ففي تقرير “World Development Report 2019” الصادر عن البنك الدولي قُدّر أن القطاع الخاص يوفر نحو 90% من فرص العمل في الاقتصادات النامية، بينما تأتي الوظائف الحكومية كنسبة صغيرة نسبيًا من إجمالي سوق العمل.

هذه الحقيقة تضع الحكومات أمام معضلة مزدوجة، فهي مطالبة بتوفير فرص العمل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع توليد هذه الوظائف بنفسها على نطاق واسع، لأن الوظيفة المستدامة تحتاج إلى نشاط اقتصادي يولد قيمة مضافة حقيقية، وهذا النشاط لا ينشأ عادة داخل المؤسسات الحكومية بل في الشركات والمشروعات الخاصة.

لكن توسع القطاع الخاص لا يحدث تلقائيًا، بل يحتاج إلى بيئة تشريعية وتنظيمية تسمح له بالنمو، وهنا يظهر الدور الحقيقي للدولة في سوق العمل، ليس بوصفها صاحب العمل، بل بوصفها منظم البيئة الاقتصادية التي تسمح بخلق الوظائف.

أظهرت دراسة صادرة عن “OECD” عام 2022 أن الدول التي تبسط إجراءات تأسيس الشركات وتقلل القيود التنظيمية تحقق معدلات أعلى في نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي الشركات التي تشكل العمود الفقري لتوليد الوظائف في معظم الاقتصادات.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك تجربة سنغافورة، فقد أشار تقرير “Doing Business 2020” الصادر عن البنك الدولي إلى أن تأسيس شركة في سنغافورة يمكن أن يتم خلال يوم واحد تقريبًا عبر إجراءات إلكترونية مبسطة، وهو ما ساهم في خلق بيئة نشطة لريادة الأعمال، حيث أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 99% من الشركات في البلاد وتوظف قرابة 70% من القوى العاملة.

وفي تجربة أخرى، اعتمدت إستونيا منذ عام 2014 برنامج “e-Residency” الذي يسمح لرواد الأعمال حول العالم بتأسيس شركات رقمية داخل الاقتصاد الإستوني دون الإقامة الفعلية في البلاد، ووفق بيانات الحكومة الإستونية فقد أدى هذا البرنامج إلى إنشاء آلاف الشركات الرقمية الجديدة التي تعمل عبر الحدود وتساهم في النشاط الاقتصادي للبلاد.

كما قدمت ألمانيا نموذجًا مهمًا لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر ما يعرف بشركات “Mittelstand”، وهي شبكة واسعة من الشركات العائلية المتوسطة التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني، ووفق بيانات وزارة الاقتصاد الألمانية توظف هذه الشركات أكثر من نصف القوة العاملة في البلاد، ويرجع نجاحها جزئيًا إلى بيئة تشريعية تدعم الابتكار والتدريب المهني والاستقرار الضريبي.

وفي الولايات المتحدة، تشير بيانات “Small Business Administration” إلى أن الشركات الصغيرة مسؤولة عن نحو ثلثي الوظائف الجديدة التي تُخلق سنويًا في الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يوضح أن توليد الوظائف غالبًا ما يبدأ من المشروعات الصغيرة قبل أن تتحول إلى شركات أكبر.

هذه التجارب تؤكد أن التشريعات الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا في قدرة القطاع الخاص على التوسع، فكلما كانت القوانين مرنة وواضحة ومستقرة، زادت قدرة المستثمرين ورواد الأعمال على إطلاق مشروعات جديدة، وكل مشروع ناجح يتحول بدوره إلى مصدر وظائف.

لكن التحول الأهم في سوق العمل خلال العقدين الأخيرين لم يقتصر على توسع الشركات، بل شمل أيضًا صعود العمل الحر والاقتصاد الرقمي، حيث أصبح بإمكان الأفراد توليد دخلهم مباشرة عبر الإنترنت دون الحاجة إلى وظيفة تقليدية داخل مؤسسة.

أشار تقرير “McKinsey Global Institute” عام 2022 إلى أن أكثر من 160 مليون شخص في الولايات المتحدة وأوروبا يشاركون في أشكال مختلفة من العمل المستقل أو المؤقت عبر المنصات الرقمية، في مجالات مثل البرمجة، والتصميم، والتسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، والخدمات الاستشارية.

كما أظهرت دراسة أجراها “Upwork Research Institute” عام 2023 أن نحو 39% من القوة العاملة في الولايات المتحدة شاركت في العمل الحر خلال العام نفسه، وهو ما يعادل نحو 60 مليون شخص، وأشارت الدراسة إلى أن نسبة متزايدة من هؤلاء العاملين يفضلون هذا النموذج بسبب المرونة وإمكانية تحقيق دخل أعلى مقارنة بالوظائف التقليدية.

هذا التحول يعني أن مفهوم الوظيفة نفسه بدأ يتغير، فلم يعد العمل مرتبطًا دائمًا بمكتب أو مؤسسة أو عقد طويل الأجل، بل أصبح في كثير من الحالات مرتبطًا بمهارة فردية يمكن تسويقها مباشرة عبر المنصات الرقمية.

لكن حتى هذا النوع من العمل يحتاج إلى بيئة تشريعية مناسبة، فالدول التي وضعت قوانين واضحة لتنظيم العمل الحر، وتسهيل المدفوعات الرقمية، وتبسيط الضرائب على المشروعات الصغيرة، شهدت نموًا أسرع في الاقتصاد الرقمي مقارنة بالدول التي بقيت تشريعاتها مرتبطة بنموذج الوظيفة التقليدية.

في النهاية تبقى معضلة توليد الوظائف واحدة من أعقد التحديات التي تواجه الحكومات في العصر الحديث، لأن الوظائف لا تُخلق بقرار إداري، بل عبر نشاط اقتصادي حقيقي يقوده القطاع الخاص ورواد الأعمال والأفراد القادرون على تحويل مهاراتهم إلى قيمة في السوق.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ربما لا يكون: أين الوظائف؟ بل كيف نصنع اقتصادًا قادرًا على توليدها باستمرار، وكيف نهيئ بيئة تشريعية تسمح للقطاع الخاص بالنمو، وللأفراد بخلق فرصهم بأنفسهم في عالم لم تعد الوظيفة فيه الطريق الوحيد للعمل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى