
موت “المؤثرين”.. لماذا قد تنتهي اقتصاديات التأثير التقليدية في العقد القادم؟
عمر غازي
في نوفمبر 2025 أعلن “IAB” أن الإنفاق الإعلاني المرتبط باقتصاد “صناع المحتوى” في الولايات المتحدة مرشح للوصول إلى 37 مليار دولار في العام نفسه، بزيادة سنوية قدرها 26%، وبمعدل نمو يساوي تقريبًا 4 أضعاف نمو قطاع الإعلام ككل، كما أشار التقرير إلى أن هذا الإنفاق أكثر من تضاعف منذ 2021 حين كان عند 13.9 مليار دولار، قبل أن يصل إلى 29.5 مليارًا في 2024 ثم يواصل الصعود في 2025، هذه الأرقام قد توحي بأن عصر “المؤثرين” في ذروته، لكن القراءة الأعمق تقول شيئًا مختلفًا، فالذي ينمو اليوم ليس بالضرورة النموذج التقليدي للمؤثر الفرد الذي يبيع انتباه جمهوره عبر منشور ممول، بل منظومة أوسع بكثير تعيد توزيع القيمة بين المنصات والخوارزميات والتجارة المباشرة والذكاء الاصطناعي، وهنا يصبح السؤال ليس هل يزدهر هذا الاقتصاد، بل أي جزء منه يزدهر فعلًا، وأي جزء يقترب من نهايته.
في مارس 2025 أعاد “Goldman Sachs” تأكيد تقديره بأن اقتصاد “صناع المحتوى” بلغ نحو 250 مليار دولار، مع توقع أن يصل إلى 480 مليار دولار بحلول 2027، وهي أرقام تعكس اتساع السوق لا استقراره، لأن الأسواق الكبيرة لا تموت فجأة، بل تتبدل هندستها الداخلية، وما يبدو ازدهارًا من بعيد قد يكون في الداخل عملية فرز قاسية، حيث تبقى الفئات القادرة على التحول، وتتآكل الفئات التي بنت مكانتها على قواعد لم تعد صالحة، ومن هنا تأتي فكرة “موت المؤثرين” لا بوصفها اختفاءً للأشخاص، بل نهايةً لاقتصاد تقليدي قام على 3 فرضيات كانت تبدو راسخة، أولها أن عدد المتابعين هو الأصل الأهم، وثانيها أن الصفقة الإعلانية المباشرة هي مركز الإيراد، وثالثها أن الإنسان وحده هو المنتج الحصري للجاذبية الرقمية، وهذه الفرضيات الثلاث تتعرض اليوم لتآكل متزامن.
الفرضية الأولى وهي الرهان على عدد المتابعين تتآكل لأن علاقة “المتابع” بـ”المشاهدة” لم تعد كما كانت، منصة “YouTube” اليوم تقولها بوضوح في موادها الإرشادية للناشرين، “Subscribers ≠ viewers”، أي أن عدد المشتركين ليس مقياسًا دقيقًا لمن يشاهد فعلًا، وأن الأهم هو “unique viewers” أو الجمهور النشط، لا الرقم المتراكم في أعلى الصفحة، وفي الاتجاه نفسه أعلنت “Instagram” منذ 2022 آليات تتيح للمحتوى أن يُوصى به إلى غير المتابعين، وربطت هذه الفرصة بما تسميه أهلية التوصية للمحتوى خارج قاعدة المتابعين، ما يعني أن المنصة نفسها لم تعد تتعامل مع المتابعين بوصفهم السقف الطبيعي للوصول، بل مجرد طبقة أولى في نظام أوسع تحكمه قابلية الاكتشاف الخوارزمي، وهنا تبدأ ضربة قاسية للنموذج التقليدي، لأن المؤثر الذي بنى قيمته التفاوضية على عدد متابعيه فقط يكتشف أن المنصة نفسها لم تعد تمنحه الامتياز القديم، بل تمنح الأفضلية للمحتوى القابل للدفع إلى الغرباء، لا للقاعدة الجماهيرية المخزنة في الملف الشخصي.
هذا التحول لا يقلل فقط من مركزية عدد المتابعين، بل يغير معنى الشهرة نفسها، ففي النموذج القديم كان المؤثر يبني جمهورًا، ثم يبيع الوصول إليه، أما في النموذج الجديد فهو ينافس كل يوم على اجتياز اختبار الخوارزمية، وقد يفوز به منشئ صغير لا يملك قاعدة ضخمة، بينما يخسر صاحب الملايين لأن محتواه لم يعد مناسبًا لآلية التوصية، لذلك لم تعد السوق تكافئ “الحجم” وحده، بل “القابلية للالتقاط” داخل أنظمة الترتيب، أي القدرة على إنتاج مادة تستجيب لمعايير المنصة في اللحظة نفسها، وهذه لحظة فارقة، لأننا ننتقل من اقتصاد النفوذ التراكمي إلى اقتصاد الأداء اللحظي، من قيمة مبنية على الماضي إلى قيمة تعاد كتابتها يومًا بيوم، بل دقيقة بدقيقة.
الفرضية الثانية تتآكل لأن الصفقة الإعلانية المباشرة لم تعد مركز الاقتصاد الجديد كما كانت، تقرير “IAB” نفسه يوضح أن اقتصاد “صناع المحتوى” لم يعد مجرد منشورات ممولة بالمعنى الضيق، بل أصبح منظومة تشمل الشراكات المباشرة والتوزيع المدفوع والتجارة وصيغًا جديدة من تحويل الانتباه إلى شراء، وفي “TikTok Shop” مثلًا توضح المنصة رسميًا أن “creator” المعتمد يستطيع التربح عبر الترويج للمنتجات والحصول على عمولات، أي أن الإيراد لم يعد قائمًا فقط على دفع ثابت من علامة تجارية مقابل ظهور، بل على نموذج أداء وتجربة بيع، حيث يقاس نجاح المؤثر بما يبيعه لا بما يعلنه فقط، وهذه النقلة شديدة الأهمية، لأنها تنقل السوق من اقتصاد الصورة إلى اقتصاد النتيجة، ومن التسعير على أساس الظهور إلى التسعير على أساس التحويل والعمولة.
وحين يتحول السوق إلى هذا المنطق، يتراجع تلقائيًا النموذج التقليدي للمؤثر الذي يكتفي بالجاذبية الشخصية والانتشار العام، لأن العلامات التجارية، في بيئة أكثر ضغطًا على الميزانيات وأكثر تشبعًا بالمحتوى، تريد أثرًا يمكن قياسه، لا ضجيجًا يصعب تفسيره، وهذا لا يعني أن الحملات الرمزية ستختفي، لكنها ستفقد احتكارها لمركز اللعبة، وسيصعد بدلًا منها نموذج “creator as channel” أو صانع المحتوى بوصفه قناة أداء وبيع، وهنا لن يكون السؤال كم متابعًا لديك، بل كم عملية شراء أحدثت، وكم عميلًا جلبت، وكم تكلفة استحواذ خفضت، وما الذي يمكن أن تثبته بالأرقام، لا بالمشاهدات وحدها.
الفرضية الثالثة، وهي أن الإنسان وحده هو المنتج الحصري للجاذبية الرقمية، تتعرض هي الأخرى للاهتزاز مع صعود “الذكاء الاصطناعي”، وهنا تشرح منصة “YouTube” رسميًا كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، حيث أعلنت منذ 2023 أنها سيفرض على المبدعين الإفصاح عندما يكون المحتوى واقعيًا لكنه مولد أو معدل بالذكاء الاصطناعي، ثم أضافت لاحقًا إمكانية أن يختار صناع المحتوى السماح لشركات خارجية باستخدام فيديوهاتهم في تدريب النماذج، أي أن المنصة نفسها باتت تتعامل مع المحتوى البشري باعتباره مادةً أولية في اقتصاد أوسع من الشخص الذي أنشأه، اقتصاد يدمج الإبداع البشري بالأنظمة التوليدية، ويعيد توزيع القيمة بين المنتج الأصلي والمنصة والنموذج الذكي والشركة المستفيدة من التدريب.
هنا لا يصبح التهديد أن يحل “مؤثر اصطناعي” مكان مؤثر بشري بالمعنى المباشر فقط، بل أن ينخفض الحاجز الذي كان يحمي امتياز المؤثر القديم، وهو ندرة القدرة على إنتاج المحتوى اللافت بوتيرة مرتفعة، لأن أدوات التوليد خفضت هذا الحاجز بصورة جذرية، وجعلت الصورة الجيدة والفيديو الجذاب والنسخة الإعلانية السريعة متاحة لعدد أكبر بكثير من الفاعلين، بما في ذلك العلامات التجارية نفسها، وحين تستطيع العلامة أن تنتج محتوى أقرب إلى جودة المؤثرين وبتكلفة أقل وتحكم أعلى، فإنها لا تحتاج المؤثر بالطريقة القديمة نفسها، بل تحتاجه فقط حيث يضيف قيمة لا يمكن للأداة وحدها أن تنتجها، مثل الثقة المتراكمة، أو المجتمع الحقيقي، أو الخبرة المتخصصة، أو الحس الإنساني الذي لا يختزل إلى قوالب قابلة للتوليد.
ثم تأتي مسألة الثقة لتضيف ضغطًا جديدًا على النموذج التقليدي، ففي الولايات المتحدة شددت “لجنة التجارة الفيدرالية FTC” إرشاداتها المعدلة في 2023 على وجوب وضوح العلاقة الإعلانية والإفصاح عن المصالح عند التأييد والترويج، لأن السوق لم يعد يتسامح مع المساحات الرمادية التي ازدهرت فيها صناعة التأثير في سنواتها الأولى، وكلما زادت الصرامة التنظيمية، تضاءلت قدرة المؤثر التقليدي على بيع الوهم القديم، وهم الصداقة الخالصة التي تمرر إعلانًا متخفيًا داخل الحياة اليومية، ومع نضج الجمهور وتطور القواعد يصبح التأثير أقل عفوية، وأكثر خضوعًا للمحاسبة، وهو ما يضغط هوامش النموذج الذي كان يقوم على الغموض بقدر ما يقوم على الجاذبية.
في الوقت نفسه لا تسير المنصات في اتجاه حماية المؤثرين الكبار بقدر ما تسير في اتجاه حماية انتباه المستخدمين من التخمة، حيث اختبرت منصة “YouTube” في 2025 تقليص الإشعارات المرسلة من القنوات التي لا يتفاعل معها المستخدم بانتظام، حتى لو كان قد فعّل خيار “All notifications”، وذلك لتجنب إنهاك المستخدمين بالإشعارات غير الفعالة، وهذه الخطوة تبدو تقنية صغيرة، لكنها تقول شيئًا عميقًا، وهو أن المنصة مستعدة لتقليل الامتيازات التقليدية لصناع المحتوى إذا تعارضت مع كفاءة النظام العام، أي أن المنصة لم تعد وفيّة لنموذج “القناة” بقدر وفائها لنموذج “الاهتمام الفعلي”، وهذا يضعف أكثر فأكثر فكرة أن المؤثر يملك جمهوره على نحو مستقر، لأنه في الحقيقة يستأجر الوصول إليه من منصة تستطيع إعادة ضبط هذا الوصول متى شاءت.
لهذا كله لا يبدو المستقبل متجهًا إلى اختفاء المؤثرين، بل إلى انقسامهم الحاد إلى فئات غير متساوية، فستتراجع أولًا فئة “المشاهير الرقميين” الذين يقوم نموذجهم على الظهور العام والرعاية التقليدية دون تخصص حقيقي أو قدرة على تحويل الانتباه إلى نتيجة، لأنهم الأكثر تعرضًا لضغط الخوارزميات وتبدل المنصات وصعود الذكاء الاصطناعي. في المقابل ستصعد فئة “المؤثر الخبير” الذي يملك معرفة قابلة للترجمة إلى ثقة ومجتمع وقرار شراء، وستصعد أيضًا فئة “المؤثر التاجر” الذي يربط المحتوى بالبيع المباشر والعمولة والمنتج، ثم فئة ثالثة ربما تكون الأهم، وهي “المؤثر العلامة” الذي لا يكتفي ببيع الوصول بل يبني أصلًا مستقلًا، شركة أو منتجًا أو مجتمعًا مدفوعًا أو قاعدة بيانات أو اشتراكًا، بحيث لا يبقى رهينة منشور ممول على منصة واحدة.
وفي هذا المعنى قد يكون التعبير الأدق ليس “موت المؤثرين”، بل موت “اقتصاد التأثير التقليدي”، الاقتصاد الذي كان يفترض أن عدد المتابعين يساوي النفوذ، وأن النفوذ يساوي المال، وأن المال يأتي من رعاية مباشرة بين علامة وشخص، هذا الاقتصاد يتفكك الآن تحت ضغط 4 قوى متزامنة، الخوارزمية التي فضلت الاكتشاف على الولاء، والتجارة التي فضلت النتيجة على الضجيج، والذكاء الاصطناعي الذي خفض ندرة الإنتاج، والتنظيم الذي ضيق مساحة الالتباس، ومن ينجو من هذا التحول لن يكون بالضرورة الأكثر شهرة، بل الأكثر قدرة على التحول من “وجه” إلى “بنية”.
لذلك يبدو العقد القادم أقل رحمة بكثير مع فكرة “المؤثر” بمعناها الذي عرفناه في العقد الماضي. لن يكفي أن تكون حاضرًا، بل يجب أن تكون قابلًا للقياس. لن يكفي أن تكون محبوبًا، بل يجب أن تكون موثوقًا. لن يكفي أن تنتج كثيرًا، بل يجب أن تضيف ما لا تنتجه الأدوات وحدها. ولن يكفي أن تملك جمهورًا على المنصة، بل يجب أن تملك علاقة تتجاوز المنصة نفسها. عند هذه النقطة فقط يمكن فهم المفارقة الكبرى، السوق تكبر فعلًا، لكن المساحة المتاحة للنموذج القديم تضيق، والضوء لا ينطفئ على الصناعة كلها، بل على شكلها الذي اعتدناه.
ويبقى السؤال مطروحًا، حين تصبح الخوارزمية أقوى من عدد المتابعين، والعمولة أهم من المنشور الممول، والثقة أندر من الانتشار، فهل يبقى “المؤثر” في العقد القادم شخصًا نعرفه، أم يتحول إلى نموذج جديد لا يشبه إلا نفسه؟



