كُتاب الترند العربيعمر غازي

الهوية الخوارزمية وحدود الحرية الرقمية.. هل يمكن استعادة الذات؟

عمر غازي

في عام 2022 نشرت مجلة “PNAS” دراسة تجريبية واسعة حول أثر الترتيب الخوارزمي في المنصات الرقمية على التعرض للمحتوى السياسي، وأشارت إلى أن خفض أولوية إعادة النشر المعاد ترتيبها خوارزميًا يؤدي إلى تغيّر ملحوظ في نوعية المحتوى الذي يتعرض له المستخدمون، ما يؤكد أن طريقة العرض ليست تفصيلًا تقنيًا، بل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المجال المعرفي اليومي، لم تكن الدراسة عن الحجب أو المنع، بل عن الترتيب، أي أن ما يُقدَّم أولًا يملك فرصة أكبر للترسخ، حتى لو كان البديل متاحًا نظريًا بضغطة واحدة إضافية.

هذه الحقيقة تقودنا إلى سؤال الهوية، لأن الهوية الرقمية لا تتشكل فقط بما نعلنه عن أنفسنا، بل بما نراه يوميًا، وما نراه ليس انعكاسًا محايدًا للعالم، بل نتيجة نظام توصية قائم على تحليل السلوك السابق، فالخوارزمية لا تملك وعيًا دلاليًا، ولا تميّز بين إعجاب وغضب بوصفهما موقفين أخلاقيين، بل تسجل الحدث بوصفه تفاعلًا.

أظهرت أبحاث في تصميم أنظمة التوصية، منشورة في مؤتمرات “ACM RecSys”، أن كثيرًا من النماذج تعتمد على ما يُعرف بالتعلم المعزز “Reinforcement Learning”، حيث تُكافأ الأنماط التي تزيد زمن البقاء أو عدد التفاعلات، ولا تُصنَّف التفاعلات وفق معناها النفسي، فإذا ضغط المستخدم زرًا تعبيريًا غاضبًا، أو كتب تعليقًا ناقدًا، أو شارك منشورًا لتفنيده، فإن النظام يسجل ذلك كإشارة اهتمام، لأن ما يهمه هو أن المستخدم توقف، قرأ، كتب، وتفاعل.

هذا ما يمكن تسميته بعمى الخوارزمية الدلالي، فهي لا تفهم أنك علّقت لتعارض، بل تفهم أنك توقفت وتفاعلت، ومع تكرار هذا النمط تُعزَّز التوصيات المشابهة، ليس لأنك تحبها، بل لأنها نجحت في شد انتباهك، وقد أشارت دراسات منشورة في “Nature Human Behaviour” إلى أن أنظمة التوصية القائمة على السلوك السابق تعزز حلقات التغذية الراجعة، حيث يؤدي التفاعل مع نوع معين من المحتوى إلى زيادة احتمالية التعرض له مستقبلاً.

الأمر لا يتوقف عند التفاعل السلبي، بل يمتد إلى البحث الفضولي، إذا بحثت عن موضوع بدافع الاطلاع أو النقد أو حتى الفضول المؤقت، فإن النظام يسجل عملية البحث بوصفها مؤشر اهتمام، ومع تكرار المشاهدات يُعاد اقتراح محتوى مشابه، وقد تناولت أبحاث في “Harvard Kennedy School” ما يُعرف بـ”algorithmic drift”، حيث يتوسع النموذج تدريجيًا في تفسير اهتمام المستخدم بناءً على إشارات جزئية، حتى لو كانت هذه الإشارات عابرة.

هنا تتشكل طبقة أخرى من التعقيد، لأن الخوارزمية لا تعتمد فقط على سلوكك الفردي، بل تأخذ في الاعتبار سلوك شبكتك الاجتماعية، فقد أظهرت دراسات في “Journal of Computer-Mediated Communication” أن التشابه الشبكي “Homophily” يعزز تقارب أنماط المحتوى داخل الدوائر الاجتماعية، ومع تدخل أنظمة التوصية في تضخيم هذا التشابه، يصبح ما يشاهده أصدقاؤك أو يتفاعلون معه مرشحًا أكبر للظهور لديك، حتى لو لم يكن ضمن أولوياتك الأصلية.

النظام يفترض أن ما يهم محيطك قد يهمك، لكنه افتراض احتمالي، لا حقيقة معرفية، ومع تكرار العرض قد تنشأ علاقة بينك وبين محتوى لم يكن جزءًا من اهتمامك العميق، لكنه أصبح مألوفًا، وتكرار الألفة يعيد تشكيل الإحساس بالأهمية، وقد أثبت علم النفس المعرفي أن التكرار يعزز القبول والشعور بالألفة، وهو ما يُعرف بتأثير الألفة “Mere Exposure Effect”.

لو فتحت حسابًا جديدًا بلا سجل تفاعل، ستجد تدفقًا مختلفًا جذريًا، أقل تخصيصًا، أكثر عمومية، وربما تشعر بغربة، لأنك اعتدت على نسخة من العالم مرتبة وفق تاريخك السابق، هذه الغربة تكشف أن ما نظنه صورة طبيعية للعالم هو في الواقع نسخة خوارزمية مصممة خصيصًا لنا، لا انعكاسًا شاملًا لما هو متاح.

يمكن تشبيه الأمر بقائمة طعام في مطعم، تقدم لك المنصة قائمة طويلة ومتنوعة، تختار منها ما تشاء، تجرب أصنافًا مختلفة، تكرر بعضها، تترك بعضها، تشعر بأن لديك حرية كاملة في الاختيار، لكنك في النهاية لا تغادر المطعم ذاته، رغم أن في الشارع المجاور عشرات المطاعم الأخرى بقوائم مختلفة تمامًا، أنت حر داخل القائمة، لكنك نادرًا ما تنتقل إلى فضاء آخر بقائمة مغايرة جذريًا، والخوارزمية تضمن أن القائمة التي أمامك تتجدد باستمرار، لكنها تظل قائمة المطعم نفسه.

الحرية الرقمية إذن ليست وهمًا كاملًا، لكنها حرية داخل إطار، نحن نختار، نعم، لكن من بين خيارات مرتبة سلفًا، وكل اختيار يعيد تشكيل الترتيب التالي، هذه الدائرة لا تلغي الإرادة، لكنها تضبط مسارها الاحتمالي، ومع غياب الوعي ببنية الترتيب، قد تتحول الهوية إلى انعكاس لسجل تفاعل لا يعبر بالكامل عنا.

استعادة الهوية خارج الخوارزمية لا تعني الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل تعني إدراك حدوده، إدراك أن التفاعل السلبي قد يُفهم كاهتمام، وأن البحث العابر قد يُترجم إلى التزام، وأن ما يشاهده محيطك ليس معيارًا ضروريًا لاهتمامك، وأن الألفة لا تعني الأهمية، تبدأ الاستعادة بوعي نقدي يُعيد التفريق بين الذات وسجلها الرقمي، وبين الاهتمام الحقيقي والاقتراح المتكرر.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا كانت الخوارزمية عمياء عن المعنى لكنها دقيقة في التقاط الإشارة، وإذا كانت تمنحنا حرية واسعة داخل قائمتها الخاصة بينما تُبقي خيارات أخرى خارج مجال رؤيتنا اليومية، فإلى أي مدى نستطيع أن نقول إن هويتنا الرقمية تعبير حر عما نكونه فعلًا، لا مجرد نتيجة متراكمة لما قرأته الخوارزمية في سلوكنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى