مآذن المسجد النبوي.. ذاكرة حجرية تعانق السماء وتحكي قصة العناية عبر العصور
الترند بالعربي – متابعات
حين تقف في ساحات المسجد النبوي بالمدينة المنورة، لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تفهم لماذا تحولت المآذن إلى أيقونة بصرية لا تنفصل عن المكان، فهي ليست مجرد أبراج للأذان، بل شواهد معمارية تروي مراحل التوسعة، وتوثّق تطور العمارة الإسلامية، وتختصر قرونًا من العناية بالحرم النبوي في خطوط دقيقة، وكتل هندسية متوازنة، وزخارف مدروسة، وإضاءة حديثة تحافظ على الوقار وتزيد المشهد هيبة
مآذن المسجد النبوي.. الهوية البصرية التي لا تخطئها العين
تُعد مآذن المسجد النبوي من أبرز عناصر التكوين المعماري للمسجد، لأنها ترسم من بعيد ملامح المكان وتدلّ الزائر قبل أن يقترب من أبوابه، كما أنها تمنح الحرم النبوي توازنًا بصريًا يجمع بين الامتداد الأفقي الضخم للساحات والمباني، وبين الامتداد الرأسي للمآذن التي تتجه إلى السماء في انسجام واضح، وفي العادة يُنظر إلى المآذن بوصفها علامة تعريف للمساجد الكبرى، لكن في المسجد النبوي تتحول المئذنة إلى جزء من السرد التاريخي، إذ ترتبط كل مرحلة توسعة بإضافة أو إعادة بناء أو تحسين في شكل المآذن وارتفاعاتها وتوزيعها

كيف بدأ الأمر.. الأذان قبل ظهور المآذن المعمارية
في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم تكن المآذن قائمة بالشكل المعماري المعروف اليوم، إذ كان الأذان يُرفع من موضع مرتفع داخل المسجد أو من سطح مجاور بحسب ما تقتضيه الحاجة، وهذا التفصيل يوضح أن وظيفة النداء للصلاة كانت قائمة منذ البداية، بينما تشكلت “لغة المئذنة” تدريجيًا مع نمو المدن واتساع المساجد وتطور تقنيات البناء والحاجة إلى علامة بصرية وصوتية واضحة يمكن رصدها من مسافات أبعد، ومن هنا تصبح قصة مآذن المسجد النبوي قصة تحوّل من الوظيفة إلى الرمز، ومن الحاجة اليومية إلى الفن المعماري
الوليد بن عبدالملك وبداية البناء الرسمي للمآذن
تسجل المصادر التاريخية أن عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك شهد أول بناء رسمي لمآذن المسجد النبوي، ضمن مشروع توسعة بين عامي 88 و91 للهجرة، كُلف بتنفيذه والي المدينة آنذاك عمر بن عبدالعزيز، وفي هذه المرحلة أُنشئت أربع مآذن في أركان المسجد، وهي خطوة كانت مبكرة في تاريخ العمارة الإسلامية، لأنها نقلت “المئذنة” من كونها فكرة وظيفية إلى كونها عنصرًا معماريًا ثابتًا ضمن مخطط المسجد، كما ارتبطت المآذن حينها بمتطلبات التوسعة، وبالرغبة في تنظيم النداء للصلاة ضمن سياق حضري يتسع ويتعقد
المآذن الأولى.. ملامح مبكرة لعمارة تتشكل
ارتفاع المآذن الأولى، وفق ما تذكره المصادر التاريخية، كان في حدود تقارب سبعة وعشرين مترًا، وهو رقم يبدو اليوم متواضعًا مقارنة بالمآذن الحالية، لكنه في سياقه الزمني كان يعكس قدرة البناء المتاحة آنذاك، كما يعكس مبدأ التدرج الطبيعي الذي يميز العمارة الإسلامية في مراحلها الأولى، إذ تتطور الأشكال مع تطور المواد وأساليب التشييد، ومع اتساع التجربة وتراكم الخبرة، والأهم أن هذه المرحلة أرست تقليدًا مهمًا، وهو أن المئذنة جزء من “هوية المسجد” وليست إضافة ثانوية

العصور اللاحقة.. المآذن مرآة للتوسعات والتحولات
مع مرور الزمن، شهد المسجد النبوي مراحل متعددة من التوسعة والترميم، وفي كل مرة كانت المآذن تتأثر بشكل أو بآخر، إما بإعادة بناء بعض المآذن، أو بإضافة مآذن جديدة، أو بتطوير تفاصيل زخرفية وشكلية تتناسب مع روح العصر، ومع اختلاف المدارس المعمارية بين فترات الحكم، وفي العصرين المملوكي والعثماني برزت عمليات تجديد متعاقبة، وكان من أبرز المآذن التي ارتبط اسمها بالمكان مئذنة باب السلام، التي اتصلت بأحد الأبواب المهمة في الجهة الغربية، وظلت عبر قرون شاهدًا على تتابع التجديدات ومحاولات الحفاظ على جماليات المسجد ومتانة بنيانه
مئذنة باب السلام.. الاسم الذي يحمل دلالة المكان والذاكرة
ارتباط المآذن بأسماء الأبواب ليس تفصيلًا لغويًا فقط، بل يعكس كيف تتداخل الوظيفة المعمارية مع الجغرافيا الداخلية للمسجد، فحين تُذكر مئذنة باب السلام تُستدعى تلقائيًا جهة الباب وذاكرة الزائرين ورحلة الدخول والخروج، كما يُستدعى السياق التاريخي لتجديدات متتابعة تمت عبر قرون، ما يجعل المئذنة هنا ليست مجرد برج، بل “علامة طريق” داخل ذاكرة المدينة المنورة وروح الحرم النبوي
العهد السعودي.. عناية خاصة ومشروعات توسعة غيّرت المشهد
في العهد السعودي الحديث، حظيت مآذن المسجد النبوي بعناية استثنائية ضمن مشروعات التوسعة التي أعادت تشكيل التخطيط العام للمسجد، مع الحفاظ على الطابع الإسلامي الكلاسيكي، وقد شهدت التوسعة السعودية الأولى بين عامي 1370 و1375 للهجرة، الموافق 1951 إلى 1955 ميلاديًا، إزالة بعض المآذن القديمة وإنشاء مئذنتين جديدتين في الجهة الشمالية بارتفاع يقارب سبعين مترًا، وهي خطوة حملت دلالتين واضحتين، الأولى أن التوسع يتطلب أحيانًا قرارات صعبة تتعلق بإعادة تشكيل عناصر قائمة لتحقيق اتساع أكبر، والثانية أن الارتفاعات الجديدة كانت تعكس دخول تقنيات بناء أكثر تقدمًا تسمح بزيادة الارتفاع مع الحفاظ على السلامة والمتانة
التوسعة الكبرى في عهد الملك فهد.. اكتمال مشهد المآذن العشر
واصلت مشروعات التوسعة السعودية تطوير صورة المسجد النبوي، وفي التوسعة السعودية الكبرى في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز بين عامي 1406 و1414 للهجرة، الموافق 1985 إلى 1994 ميلاديًا، أُضيفت ست مآذن جديدة، ليصل إجمالي عدد مآذن المسجد النبوي في تصميمه القائم إلى عشر مآذن، وهذا الرقم لم يكن مجرد إضافة كمية، بل كان قرارًا معماريًا مرتبطًا بإعادة توزيع الكتل وتوازن المشهد العام، لأن المسجد اتسعت مساحته وأصبح بحاجة إلى توزيع بصري متناسق يحقق حضورًا متوازنًا للمآذن حول الأطراف والزوايا
الارتفاع الحالي.. لماذا يبلغ نحو 104 أمتار؟
يبلغ ارتفاع كل مئذنة في التصميم الحالي نحو 104 أمتار، وهو ارتفاع يمنح المآذن حضورًا مهيبًا دون أن يفقدها رشاقة الشكل، كما يضمن أن تظل المآذن بارزة في أفق المدينة المنورة مع اتساع العمران من حولها، ويعكس هذا الارتفاع كذلك توازنًا بين المعنى الروحي المتمثل في الارتفاع والسمو، والمعنى التقني المرتبط بإمكانات البناء الحديثة، ومعايير السلامة، وقدرة المآذن على مقاومة العوامل المناخية عبر عقود طويلة

البنية الهندسية للمئذنة.. خمسة أجزاء تصنع الإيقاع
تتكوّن المئذنة في تصميمها الحالي من خمسة أجزاء رئيسة متدرجة، تبدأ بقاعدة مربعة تمنح الاستقرار البصري والإنشائي، ثم يأتي طابق مثمن يُعد من العلامات الكلاسيكية في كثير من المآذن الإسلامية، ثم جزء أسطواني يضيف رشاقة ويخفف ثقل الكتلة، تعلوه شرفة المؤذن التي تمثل لحظة انتقال بين الكتلة والفضاء، وتنتهي المئذنة بقبة يعلوها هلال معدني، وهذه التدرجات ليست مجرد تشكيل جمالي، بل هي طريقة معمارية لخلق إيقاع بصري صاعد، يجعل العين تتبع الخطوط تدريجيًا حتى تصل إلى القمة دون شعور بالانقطاع
الطراز الإسلامي الكلاسيكي.. حضور الماضي بأدوات الحاضر
رُوعي في تصميم مآذن المسجد النبوي الجمع بين الطراز الإسلامي الكلاسيكي وبين توظيف التقنيات الحديثة في البناء والإنارة، فالشكل العام يحافظ على سمات مألوفة تُشعر الزائر بالانتماء إلى سياق حضاري ممتد، بينما التفاصيل التقنية تمنح المكان أداءً أكثر كفاءة من حيث المتانة والتشغيل، وفي مقدمة ذلك أنظمة الإضاءة التي تعزز وضوح المآذن ليلًا دون مبالغة، وتحفظ وقار المكان وتناسقه، كما أن مواد التشطيب الحديثة تساعد على مقاومة التآكل والعوامل الجوية مع الحفاظ على لمسة جمالية متقنة
التوزيع حول المسجد.. توازن بصري يوازي الاتساع
تتوزع المآذن العشر بشكل متناسق حول أطراف المسجد، أربع منها في الجهة الشمالية، واثنتان في الجهة الجنوبية، وأربع في الأركان، وهذا التوزيع يحقق توازنًا بصريًا ومعماريًا يتناسب مع المساحة الشاسعة التي بلغها المسجد بعد التوسعات، لأن المآذن في العمارة ليست “زينة” توضع كيفما اتفق، بل عناصر تُستخدم لضبط الإيقاع وتحديد المحاور وإبراز الزوايا ومنح المبنى قراءة واضحة من بعيد، كما أن توزيع المآذن بهذا الشكل يخلق إحساسًا بالاكتمال، ويجعل الزائر يشعر أن المسجد يحيط به حضور معماري متوازن من كل الجهات
المآذن كوثيقة تاريخية.. كل مرحلة توسعة تترك أثرًا
اللافت في قصة مآذن المسجد النبوي أن كل مرحلة توسعة تركت أثرًا على الشكل العام، فالمآذن الأمويّة الأولى كانت تأسيسًا لفكرة المئذنة الرسمية، وتجديدات العصور اللاحقة أضافت خبرات فنية وزخرفية، بينما جاءت التوسعات السعودية لتؤسس للصورة الحديثة للمآذن ضمن مشروع عمراني ضخم، وبذلك تصبح المآذن وثيقة تاريخية غير مكتوبة، لأنك حين تتابع تطور عددها وارتفاعها وتوزيعها تستطيع أن تقرأ تطور العناية بالحرم النبوي وتطور العمارة الإسلامية في آن واحد
العمارة الإسلامية في المآذن.. لغة الشكل والرمز
المئذنة في العمارة الإسلامية ليست مجرد برج، بل رمز يرتبط بالنداء إلى الصلاة وبحضور الدين في المجال العام، ولهذا تحمل المآذن لغة شكلية متوارثة، مثل التدرج، والشرفات، والقباب، والهلال، وتوظيف الأشكال الهندسية المربعة والمثمنة والأسطوانية، وهي عناصر تمنح العمارة الإسلامية خصوصيتها، وفي المسجد النبوي تتجسد هذه اللغة بأبهى صورة، لأن المكان نفسه مركز روحي عالمي، ولأن العناية به تُترجم إلى تفاصيل معمارية دقيقة تحرص على الجمال والوقار معًا
المآذن والمدينة المنورة.. أثر حضري يتجاوز حدود المسجد
لا يمكن فصل مآذن المسجد النبوي عن المشهد الحضري للمدينة المنورة، فهي علامة تُرى من مسافات بعيدة، وتساعد على توجيه الزائرين، وتمنح المدينة صورة ذهنية متجذرة لدى المسلمين في كل أنحاء العالم، ومع التوسع العمراني الحديث أصبحت المآذن أشبه بمرساة بصرية تحفظ للمدينة جزءًا من هويتها الروحية وسط تغيرات العمران، كما أن حضورها ليلًا ونهارًا يخلق علاقة دائمة بين سكان المدينة والمكان، إذ تتكرر رؤيتها في الحياة اليومية فتتحول إلى جزء من الإيقاع الحضري العام
الإنارة الحديثة.. جمال وظيفي يحترم قدسية المكان
التقنيات الحديثة في إنارة المآذن لم تُستخدم لإحداث بهرجة، بل لإبراز التفاصيل وإتاحة رؤية واضحة للمآذن مع الحفاظ على الهدوء البصري، وهذا الفارق مهم لأن الأماكن المقدسة تحتاج إلى تصميم ضوئي يحترم المشاعر ويعزز الوقار، وفي مآذن المسجد النبوي تتكامل الإنارة مع الشكل العام لتبرز التدرجات الهندسية دون أن تُفقد المئذنة فخامتها، كما أن توزيع الضوء يساهم في توحيد المشهد العام للساحات والمآذن ضمن رؤية معمارية واحدة
التوسعات كفكرة.. العناية المستمرة ليست حدثًا بل مسار
حين نتأمل تاريخ مآذن المسجد النبوي نكتشف أن العناية بالحرم الشريف ليست لحظة واحدة، بل مسار ممتد عبر العصور، يبدأ من تنظيم الأذان في العهد النبوي، ثم الانتقال إلى بناء المآذن في العهد الأموي، ثم التجديدات المتعاقبة في العصور اللاحقة، ثم التوسعات السعودية الحديثة التي شكلت الصورة الراهنة، وهذا المسار يوضح أن الحفاظ على المسجد النبوي كان دائمًا مشروعًا حضاريًا يجمع بين الروح والعمارة، وبين الوظيفة والجمال، وبين احترام التاريخ والاستفادة من التقنيات الحديثة
لماذا تثير المآذن اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث؟
لأنها تختصر تطورًا معماريًا يمكن تتبعه بدقة عبر الزمن، ولأنها تقدم نموذجًا لكيفية التوازن بين الحفاظ على الهوية وبين استيعاب التوسع العمراني، ولأنها تحمل في تفاصيلها سمات الطراز الإسلامي الكلاسيكي مع بصمة العصر الحديث، كما أن دراسة المآذن تفتح نافذة على تاريخ المدينة المنورة وعلى تطور تقنيات البناء، وعلى ذائقة الفن المعماري الإسلامي وكيف تتغير دون أن تنقطع جذورها
المسجد النبوي اليوم.. مآذن تعلن استمرار العناية
اليوم، حين ترى المآذن العشر متناسقة حول المسجد النبوي، تدرك أن الأمر ليس مجرد تكرار لشكل واحد، بل هو “تكوين كامل” صُمم ليكون مناسبًا لحجم المكان ومكانته، وليحافظ على التوازن بين الضخامة والرشاقة، وبين الفخامة والوقار، وبين التاريخ والحاضر، ومن هنا تبقى مآذن المسجد النبوي تحفة معمارية لا تُختزل في أرقام الارتفاعات وعدد المآذن فقط، بل تُقرأ كحكاية عناية عبر العصور، تتجدد دون أن تفقد روحها
متى بدأ إنشاء مآذن المسجد النبوي بشكل رسمي؟
بدأ إنشاء المآذن بشكل رسمي في أواخر القرن الأول الهجري خلال توسعة الوليد بن عبدالملك التي نُفذت بين عامي 88 و91 للهجرة؟
هل كان للمسجد النبوي مآذن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟
لم يكن للمسجد مآذن بالمعنى المعماري المعروف اليوم، وكان الأذان يُرفع من موضع مرتفع داخل المسجد أو من سطح مجاور
كم عدد مآذن المسجد النبوي في التصميم الحالي؟
يبلغ عدد المآذن في التصميم الحالي عشر مآذن موزعة بتناسق حول أطراف المسجد
ما ارتفاع المئذنة في تصميمها الحالي؟
يبلغ ارتفاع كل مئذنة في التصميم الحالي نحو 104 أمتار
كيف تتكوّن المئذنة هندسيًا في تصميمها الحالي؟
تتكون من خمسة أجزاء رئيسة متدرجة تشمل قاعدة مربعة، وطابقًا مثمنًا، وجزءًا أسطوانيًا تعلوه شرفة المؤذن، وتنتهي بقبة يعلوها هلال معدني
كيف توزعت المآذن العشر حول المسجد النبوي؟
تتوزع أربع مآذن في الجهة الشمالية، واثنتان في الجهة الجنوبية، وأربع في الأركان بما يحقق توازنًا بصريًا ومعماريًا
اقرأ أيضًا: الغضب في كرداسة.. ملصق علم إسرائيل يفجر فوضى دهس وإصابات



