مقارنة جيشي باكستان وأفغانستان.. فجوة سلاح ضخمة في مقابل حرب حدودية طويلة النفس
الترند بالعربي – متابعات
اشتد القتال على الحدود بين باكستان وأفغانستان في الأيام الأخيرة، مع تبادل الجانبين اتهامات بالخسائر الكبيرة، وتوصيف باكستان الوضع بأنه «حرب مفتوحة» في واحدة من أخطر موجات التوتر منذ سنوات، وفي خضم هذا التصعيد عاد السؤال الأهم إلى الواجهة، كيف تبدو موازين القوة العسكرية بين الجيش الباكستاني والقوات الأفغانية التابعة لحركة طالبان عندما يتحول الاشتباك من مناوشات حدودية إلى صدام ممتد، وما الذي يمنح كل طرف أفضلية حقيقية على الأرض في حرب تتداخل فيها الجغرافيا والعقيدة القتالية والسياسة الدولية بقدر تداخل المدافع والطائرات
خلفية القتال الحدودي.. لماذا عاد الاشتعال بهذه الحدة؟
التوتر على خط الحدود بين البلدين ليس جديدًا، لكنه يتصاعد عادة عندما تختلط ملفات الأمن الداخلي بملف الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ومع اشتداد القتال خلال الليل وامتداد الاشتباكات لأيام متتالية، تحولت الروايات من «حوادث حدودية» إلى لغة حرب مفتوحة وعمليات أعمق، وهو ما جعل المقارنة العسكرية ضرورية لفهم ما إذا كان الطرف الأقوى عتادًا قادرًا على حسم الصراع سريعًا، أم أن طبيعة الميدان ستفرض حرب استنزاف بغض النظر عن الفارق في الأرقام

الحدود كعامل حاسم.. عندما تصبح الجغرافيا أقوى من السلاح
الحدود الباكستانية الأفغانية ليست مجرد خط سياسي، بل مساحة وعرة ومتشابكة اجتماعيًا وقبليًا، وفي مثل هذه التضاريس قد تفقد الأرقام جزءًا من معناها، لأن السيطرة لا تتحقق عبر الدبابات وحدها، بل عبر القدرة على الحركة والاستخبار والتمركز والتحكم في الممرات والطرق، لهذا تبدو باكستان متفوقة في القوة الصلبة، بينما تعتمد طالبان تاريخيًا على نفس طويل في الميدان، ومعرفة محلية بالطرق والبيئات ومرونة في الانتشار
نظرة عامة على التفوق الباكستاني.. التجنيد والانضباط والتحديث
بحسب العرض الذي استند إلى بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن كما نقلته تقارير دولية، تتمتع القوات المسلحة الباكستانية بميزة التجنيد الجيد والاحتفاظ بالجنود، مع دعم كبير من معدات صينية بصفتها الشريك الدفاعي الأبرز لإسلام آباد، إضافة إلى استمرار الاستثمار في البرامج النووية العسكرية وتحديث القوات الجوية والبحرية، ما يمنح باكستان أفضلية دولة تملك منظومة كاملة وليست مجرد قوات برية
نظرة عامة على الجانب الأفغاني.. تراجع القدرة النظامية وصعوبة تشغيل العتاد
في المقابل، تشير التقارير نفسها إلى تراجع قدرات القوات التابعة لطالبان من حيث القدرة النظامية على تشغيل المعدات الأجنبية التي سيطرت عليها الحركة عند عودتها إلى السلطة في 2021، كما أن عدم الاعتراف الدولي بالحكومة الأفغانية أثر سلبًا على التحديث والتدريب وسلاسل الإمداد والصيانة، وهو عامل بالغ الأهمية لأن امتلاك قطعة سلاح لا يعني القدرة على إبقائها صالحة للعمل أو دمجها ضمن منظومة قيادة وسيطرة مستقرة

حجم القوات البشرية.. الفارق العددي الكبير في الأفراد
الأرقام هنا واضحة نسبيًا، إذ يبلغ عدد الأفراد النشطين في القوات الباكستانية نحو 660 ألفًا، بينهم 560 ألفًا في الجيش و70 ألفًا في القوات الجوية و30 ألفًا في البحرية، بينما يبلغ قوام القوات الأفغانية التابعة لطالبان نحو 172 ألف فرد نشط، مع حديث طالبان عن خطط لرفع العدد إلى 200 ألف، وهذا الفارق لا يعني فقط كتلة بشرية أكبر، بل يعني قدرة أعلى على تدوير القوات، وتغطية نقاط متعددة على الحدود، وإسناد العمليات بخطوط إمداد وحماية للمواقع
ما وراء الأرقام.. لماذا لا تكفي الكثرة وحدها؟
رغم أن التفوق العددي مهم، إلا أن الصدامات الحدودية كثيرًا ما تُحسم محليًا وفق جودة الوحدات المتقدمة، وقدرتها على العمل في مناطق جبلية، والسرعة في جمع المعلومات، ومرونة الحركة، وهنا تمتلك طالبان خبرة طويلة في حرب العصابات، بينما تمتلك باكستان خبرة الدولة النظامية مع قدرات نارية وتنظيمية أعلى، ما يجعل الصراع مزيجًا بين نموذجين قتاليين مختلفين لا يحسمه عامل واحد
المركبات القتالية والمدفعية.. تفوق باكستاني كاسح في القوة النارية
في جانب العتاد الثقيل، تمتلك باكستان أكثر من 6 آلاف مركبة قتالية مدرعة، وأكثر من 4600 قطعة مدفعية، وهو رقم يعكس قدرة ضخمة على الإسناد الناري وعلى تنفيذ عمليات تقليدية واسعة إذا قررت إسلام آباد توسيع نطاق المعركة، في حين تمتلك قوات طالبان مركبات مدرعة ودبابات رئيسية من العصر السوفياتي وناقلات جنود، لكن أعدادها الدقيقة غير معروفة، وكذلك الحال بالنسبة لأعداد المدفعية التي تتنوع أنواعها لكن لا تتوفر أرقام مؤكدة عن حجمها وصلاحيتها التشغيلية
لماذا المدفعية تحديدًا تغير مسار القتال الحدودي؟
المدفعية في الجبهات الحدودية ليست مجرد سلاح قصف، بل أداة ضغط نفسي وميداني، لأنها تسمح بإسناد مواقع متقدمة دون تعريض قوات كبيرة للمخاطر المباشرة، كما أنها تُستخدم لقطع خطوط الحركة وإجبار الخصم على تغيير المسارات أو التراجع عن نقاط تجمع، ومع امتلاك باكستان آلاف القطع المدفعية، يصبح لديها هامش أوسع للتحكم في إيقاع الاشتباك عندما تريد رفع الكلفة على الطرف الآخر

الدبابات والمدرعات في تضاريس صعبة.. أين تتراجع القيمة؟
في المناطق الوعرة، قد تصبح الدبابات والمدرعات أقل مرونة، خصوصًا عندما تكون الطرق محدودة وقابلة للاستهداف، وهنا تميل القوات غير النظامية إلى تجنب الاشتباك المباشر مع المدرعات، والتركيز على الكمائن واستهداف خطوط الإمداد ونقاط الضعف، لذلك قد تستخدم باكستان المدرعات كأداة حسم في مناطق مفتوحة أو على المعابر، بينما يظل تأثيرها محدودًا نسبيًا في الجبال التي تفضل طالبان القتال داخلها
القوة الجوية.. هنا يظهر الفارق الأكبر في ميزان القوى
في سلاح الجو، تمتلك باكستان أسطولًا من نحو 465 طائرة مقاتلة وأكثر من 260 طائرة هليكوبتر بين متعددة المهام وهجومية ونقل، بينما لا تمتلك أفغانستان طائرات مقاتلة ولا قوة جوية حقيقية تُذكر، ويُعرف أنها تمتلك على الأقل 6 طائرات و23 مروحية لكن لا يمكن تقدير عدد الصالح منها للطيران، وهذه الفجوة تعني أن باكستان قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وإسناد جوي ومراقبة واستطلاع، بينما تعتمد طالبان على الأرض وعلى ما يمكنها فعله دفاعيًا أو عبر الانتشار المرن لتقليل أثر القصف
ماذا تعني السيادة الجوية عمليًا في حرب حدودية؟
السيادة الجوية تمنح باكستان القدرة على اختيار التوقيت والمكان لرفع الضغط، وتسمح باستهداف مخازن أو تجمعات أو طرق إمداد داخل العمق إذا قررت التصعيد، كما تمنحها ميزة جمع المعلومات عبر الاستطلاع، وهذا يقلل من عنصر المفاجأة لدى الخصم، لكن في الوقت نفسه، حرب العصابات تتكيف عبر تقليل التجمعات الكبيرة، واستخدام التمويه، وتفتيت التحركات إلى مجموعات صغيرة، وهو ما قد يحد من فعالية القوة الجوية في تحقيق “حسم سريع”
القوات الخاصة والاستخبارات.. العامل الأقل ظهورًا والأكثر تأثيرًا
في مثل هذه المواجهات، تلعب أجهزة الاستخبارات والقدرة على الاختراق المعلوماتي دورًا حاسمًا، لأن معرفة أماكن التمركز وممرات التهريب وخطوط التموين قد تكون أهم من عدد الدبابات، وباكستان كدولة تملك مؤسسات استخبارية وقدرات مراقبة واسعة، بينما تعتمد طالبان على الشبكات المحلية والبيئة الاجتماعية، وهذا يخلق صراعًا خفيًا موازيًا للمعارك، حيث تسعى كل جهة لتثبيت روايتها وتحسين قدرتها على قراءة الطرف الآخر قبل أن يطلق النار
الترسانة النووية.. تفوق استراتيجي لا يُستخدم لكنه يغير الحسابات
تمتلك باكستان أسلحة نووية، مع تقديرات بنحو 170 رأسًا نوويًا، بينما لا تمتلك أفغانستان أي ترسانة نووية، وبالرغم من أن هذا العامل لا يدخل مباشرة في القتال الحدودي، إلا أنه يؤثر على صورة باكستان كقوة إقليمية كبيرة، ويمنحها وزنًا ردعيًا في معادلات أوسع، ويزيد من حساسية أي انزلاق قد يفتح الباب لتدخلات إقليمية غير محسوبة
لماذا لا تعني الأفضلية الاستراتيجية نصرًا سريعًا؟
امتلاك تفوق تقني واستراتيجي لا يضمن نهاية سريعة إذا كان الخصم قادرًا على الاستمرار والتكيف، خصوصًا في حروب الحدود حيث يمكن للقتال أن يتحول إلى سلسلة من جولات متقطعة، ويستنزف الطرف الأقوى سياسيًا واقتصاديًا، لذلك قد تسعى باكستان إلى تحقيق أهداف محددة مثل ردع الهجمات أو ضرب مواقع بعينها، بدل الذهاب إلى حرب برية واسعة تُكلفها الكثير
قدرة طالبان على الصمود.. خبرة حرب العصابات والانتشار المرن
القوة الأساسية لطالبان ليست في الطائرات أو المدفعية، بل في خبرة طويلة في القتال غير النظامي، وفي قدرة على الحركة في بيئات صعبة، وفي شبكات محلية تمنحها معلومات ومساندة لوجستية داخل مناطق واسعة، وهذا النوع من القوة يجعلها خصمًا صعبًا في حرب طويلة، حتى لو كانت ضعيفة أمام الضربات الجوية، لأنه يستطيع تحويل المعركة إلى اشتباكات صغيرة مستمرة بدل مواجهة كبيرة تحسمها القوة النارية
معضلة المعدات المستولى عليها.. امتلاك السلاح ليس امتلاك القدرة
بعد 2021، امتلكت طالبان معدات متنوعة، لكن تشغيل المعدات الحديثة يحتاج إلى تدريب وصيانة وقطع غيار وإدارة لوجستية واستمرارية دعم، ومع غياب الاعتراف الدولي وتراجع القدرة المؤسسية، يصبح من الصعب الحفاظ على جاهزية مستمرة لهذه المعدات، وهذا يفسر لماذا لا تظهر أفغانستان كقوة جوية حقيقية رغم وجود بعض الطائرات والمروحيات، ولماذا تبقى الأرقام الدقيقة للمدرعات والمدفعية مجهولة أو غير قابلة للتحقق
القتال الحدودي الحقيقي.. ما الذي يحسم الاشتباك على الأرض؟
الاشتباك الحدودي غالبًا تحسمه ثلاثة عوامل، السيطرة على المعابر والطرق، القدرة على الإمداد وحماية الخطوط الخلفية، والتفوق المعلوماتي الذي يسبق الرصاصة، وفي هذه العناصر تمتلك باكستان أدوات دولة منظمة، لكن طالبان تمتلك قدرة على تعطيل هذه الأدوات عبر الكمائن والتحركات المفاجئة، ما يجعل التوازن معقدًا، فباكستان تتفوق في الحسم التقليدي، وطالبان تتفوق في تحويل القتال إلى استنزاف
الاقتصاد والضغط الداخلي.. من يتحمل كلفة استمرار القتال أكثر؟
أي صراع ممتد يخلق كلفة اقتصادية، ويضغط على التجارة والمعابر، ويؤثر على الأمن الداخلي، وباكستان كدولة ذات اقتصاد كبير لكنها يواجه تحديات داخلية متعددة، ستحسب كلفة استمرار التصعيد على الاستقرار، بينما طالبان تواجه تحديات شرعية دولية وقدرات مالية محدودة، لكنها تعتمد على نموذج حرب منخفضة الكلفة مقارنة بالدولة، ما يجعل الاستنزاف سلاحًا فعالًا في يدها إذا طالت المعركة
الدبلوماسية في الخلفية.. لماذا تتزايد دعوات التهدئة سريعًا؟
عندما يتحول القتال الحدودي إلى موجات أوسع وعمليات داخل العمق، ترتفع مخاوف المجتمع الدولي من توسع الصراع وتفاقم الأزمات الإنسانية والنزوح، لذلك تتكثف الدعوات للتهدئة، لكن نجاحها يعتمد على قدرة الطرفين على الوصول إلى “نقطة كفاية” يقبلان عندها خفض التصعيد، وبحسب تقارير حديثة، فإن القتال امتد لأيام مع جهود دبلوماسية مكثفة، ما يؤشر إلى أن الوضع ليس قابلًا للحسم السريع بسهولة
خلاصة المقارنة.. تفوق دولة في العتاد أمام خصم يجيد حرب الاستمرار
النتيجة العامة للمقارنة واضحة، باكستان تتفوق بشكل كبير في الأفراد والعتاد الثقيل والمدفعية والقوة الجوية، وتمتلك ترسانة نووية تمنحها وزنًا استراتيجيًا، بينما تمتلك طالبان قوة أقل تنظيمًا وأضعف تقنيًا، لكنها تملك خبرة طويلة في حرب العصابات وقدرة على المناورة في تضاريس صعبة، ولهذا فإن اشتداد القتال الحدودي لا يُقرأ فقط كفارق أرقام، بل كاختبار لمدى قدرة القوة الصلبة على تحقيق أهداف سياسية بسرعة، مقابل قدرة القوة غير النظامية على تحويل الاشتباك إلى مسار استنزافي طويل
اقرأ أيضًا: الغضب في كرداسة.. ملصق علم إسرائيل يفجر فوضى دهس وإصابات



