كُتاب الترند العربي

رمضان.. مائدة الروح لا مأدبة الجسد

محمود عبدالراضي

على بُعد خطوات قليلة، يقف الزمان بوقار ليعلن اقتراب الضيف العزيز، حيث تتسلل نسمات رمضان لتمسح عن القلوب غبار العام الصاخب، وفي هذه الأيام الفاصلة، نجد أنفسنا في سباق مع الزمن، تشتعل الأسواق بالحركة، وتزدحم عربات التسوق بأصناف الطعام، وتتكدس الخزانات بما لذ وطاب، وكأننا نعد العدة لمعركة مع الجوع، لا لموسم من السكينة.

هل سألنا أنفسنا في غمرة هذا الانشغال المادي: هل فكرنا بذات المنطق في تأثيث أرواحنا لاستقبال النفحات الربانية؟

إن الاستعداد لرمضان لا ينبغي أن يبدأ من ممرات المتاجر، بل من ممرات القلوب المتربة.

بينما ننشغل بملء الثلاجات، يغيب عن بالنا وضع خريطة روحانية تعيد لنا توازننا المفقود، هل حددنا وجهة قلوبنا في صلاة التراويح، والمساجد التي ستكون ملاذنا الآمن من صخب الدنيا؟ وهل فكرنا في تلك الجسور المقطوعة مع الأقارب، أولئك الذين باعدت بيننا وبينهم مشاغل الحياة، لنجعل من رمضان فرصة ذهبية لإحياء صلة الرحم وغسل القلوب من الضغائن؟

إن التخطيط الحقيقي للشهر الكريم يبدأ بـ “ورد” من القرآن يسكن الروح، ومنهج لتهذيب النفس يكبح جماح غضبها وأنانيتها.

إنها دعوة للتسامح والتصالح مع الخصوم، وتطهير الأفئدة لتتسع للمحبة والرحمة، بدلاً من حصر الاهتمام في ملء المعدة بما يزيد عن حاجتها، فما قيمة الجسد الشبعان إذا كانت الروح تعاني من مجاعة في القيم والسكينة؟

رمضان هو الفرصة العظيمة لفتح صفحة بيضاء مع النفس، والخالق، ثم مع الخلق، إنه المحطة التي نتزود منها باليقين والرضا، لا بالدهون والسكريات.

اغتنموا هذه الأيام المباركة لترميم ما تهدم من دواخلكم، واجعلوا من صيامكم رحلة ارتقاء لا مجرد انقطاع عن الطعام، فالسعادة الحقيقية تكمن في قلبٍ يفيض نوراً، لا في مائدة تفيض ألواناً.

عهد جديد ينتظركم مع أول سجدة في ليل رمضان، فلا تجعلوه يمر مرور الكرام دون أن يترك في أرواحكم أثراً لا يمحى.

المصدر: اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى