كُتاب الترند العربيعمر غازي

الضغط.. حين لا يكفي ما تفعل

عمر غازي

في البداية، لا يبدو الضغط عدوًا.
يظهر في صورة حافز صغير،
صوت خافت يقول إن عليك أن تتحرك أسرع قليلًا،
أن تبذل جهدًا إضافيًا،
أن لا تتأخر عن الإيقاع العام.

الضغط يبدأ دائمًا مقنعًا.

تقول لنفسك إن هذا طبيعي،
أن الحياة لا تُدار بالراحة،
وأن من لا يحتمل الضغط لا يستحق الوصول.
تُقنع نفسك أن التعب مؤقت،
وأنك حين تصل ستتوقف أخيرًا عن الجري.

لكن التوقف لا يأتي.

مع الوقت، يتغير شكل الضغط.
لم يعد مرتبطًا بهدف محدد،
ولا بنقطة نهاية واضحة.
يتحول إلى حالة دائمة،
تستيقظ معها وأنت تشعر أنك متأخر،
وتنام وأنت غير متأكد إن كنت فعلت ما يكفي.

الغريب أن أحدًا لا يضغط عليك صراحة.
لا أوامر مباشرة،
ولا تهديدات،
ولا صوت مرتفع.

الضغط هنا داخلي،
صامت،
لكنه حاضر في كل تفصيلة.

تشعر أنك مطالب دائمًا بأن تكون أفضل نسخة من نفسك.
ليس فقط في العمل،
بل في كل شيء.
في العلاقات،
في اختياراتك،
حتى في طريقة استراحتك.

تصبح الراحة نفسها مشروطة.
يجب أن “تستحقها”.
والتوقف يحتاج إلى مبرر مقنع،
كأن السكون جريمة مؤجلة.

الضغط لا يقول لك إنك فاشل.
هو أذكى من ذلك.
يذكّرك فقط أن هناك نسخة أخرى منك لم تصل بعد.
نسخة أسرع،
أكثر إنتاجًا،
أقل ترددًا.

ومع الوقت،
تبدأ هذه النسخة المتخيلة في استنزاف النسخة الحقيقية.

تنجز الكثير،
لكن دون إحساس حقيقي بالإنجاز.
تتحسن،
لكن دون أن تشعر بالرضا.

لأن الضغط لا يعترف بما حققته،
بل بما تأخر عنك.

العالم يحب هذا النوع من الضغط.
يسميه طموحًا،
ويقدمه كفضيلة،
ويتعامل معه كاختبار غير معلن للقيمة الشخصية.

لكن ما لا يُقال غالبًا
أن الضغط المستمر لا يصنع معنى،
بل يفرغه.

يحوّل الحياة إلى سباق بلا خط نهاية،
والوقت إلى خصم دائم،
والذات إلى مشروع لا يكتمل.

وأخطر ما في الضغط…
أنه لا يجعلك تتوقف،
بل يجعلك تستمر
وأنت تشعر أن ما تفعله…
لن يكون كافيًا أبدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى