رحيل فارس الطب والإنسانية… سيرة الدكتور عبد الرحمن السويلم ومسار أثره في الصحة السعودية
AI بالعربي – متابعات
برحيل الدكتور عبد الرحمن بن عبدالعزيز السويلم، تفقد المملكة العربية السعودية واحدًا من أبرز روّاد العمل الصحي والإنساني، وأحد الأسماء التي ارتبطت بتأسيس وتطوير كثير من ملامح المنظومة الصحية الحديثة في البلاد. لم يكن حضوره مجرد حضور وظيفي في مناصب رسمية، بل كان مسارًا ممتدًا من المبادرات والتأسيس والتدريب والعمل الخيري، جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة أجيال من الأطباء والمرضى والمؤسسات.
وفاة الدكتور السويلم أعادت تسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ القطاع الصحي السعودي، وهي المرحلة التي انتقلت فيها الخدمات الصحية من النطاق المحدود إلى البناء المؤسسي والتخصصي، وهي نقلة كان للسويلم دور مباشر في دفعها للأمام.
مسيرة علمية بدأت من الخارج لخدمة الداخل
تخرج الدكتور عبدالرحمن السويلم في جامعة ميونخ عام 1966، في فترة كانت فيها البعثات الطبية السعودية في بداياتها. اختيار التخصص الطبي آنذاك لم يكن مجرد مسار مهني، بل كان جزءًا من مشروع وطني لتكوين كوادر قادرة على بناء قطاع صحي حديث.
عمله في مستشفيات ألمانية مرموقة، ومنها مستشفى شونيفورت، ثم احتكاكه ببيئات طبية متقدمة مثل مستشفى جونز هوبكنز خلال الفترة بين 1966 و1973، منحه خبرة عملية وعلمية عميقة. هذه الخبرة لم تبقَ في إطارها الشخصي، بل عادت معه إلى المملكة وأسهمت في نقل المعرفة وبناء قدرات محلية.

ريادة في طب الأطفال وبناء أجيال طبية
يُعد الدكتور السويلم من الروّاد الأوائل في طب الأطفال بالمملكة. مساهمته في تأسيس أول دبلوم لطب الأطفال عام 1400هـ شكلت نقطة تحول في التخصص، إذ أسهم البرنامج في تخريج أكثر من 400 طبيب سعودي، كثير منهم أصبحوا لاحقًا قيادات في القطاع الصحي.
هذا الأثر التعليمي يُعد من أكثر جوانب سيرته استدامة، لأن تأثيره لم يتوقف عند المرضى الذين عالجهم، بل امتد عبر مئات الأطباء الذين نقلوا بدورهم المعرفة إلى آلاف المرضى والأسر.
أدوار قيادية داخل المنظومة الصحية
شغل الدكتور السويلم مناصب متعددة داخل وزارة الصحة والجهات الصحية، من بينها مدير عام الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية، ورئيس الهيئة الطبية العامة بالرياض، ورئيس قسم الأطفال في مستشفى الولادة والأطفال بالرياض بين 1974 و1982.
كما تولى مناصب قيادية في الوزارة شملت وكيل الشؤون الطبية ووكيل الشؤون التنفيذية، وهي مواقع تتطلب رؤية تنظيمية وإدارية إلى جانب الخبرة الطبية. هذه المواقع مكّنته من التأثير في السياسات الصحية، وليس فقط في الممارسة السريرية.
وعمله أمينًا عامًا لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي وضعه في إطار إقليمي، حيث أسهم في تنسيق الجهود الصحية بين دول الخليج في مراحل مبكرة من التعاون الصحي المشترك.
الهلال الأحمر والعمل الإنساني العابر للحدود
خلال رئاسته لهيئة الهلال الأحمر السعودي، برز اسم الدكتور السويلم في العمل الإنساني، حيث ارتبطت تلك المرحلة بتوسيع نطاق المساعدات والخدمات الإسعافية والإنسانية داخل المملكة وخارجها.
إشادة وزير الصحة به بوصفه من «أيادي الخير البيضاء» تعكس جانبًا مهمًا من شخصيته المهنية، إذ جمع بين العمل المؤسسي والبعد الإنساني. دعمُه للجمعيات الخيرية الصحية جعل حضوره محسوسًا في ملفات رعاية المرضى محدودي الدخل وذوي الاحتياجات الخاصة.
حضور فاعل في الجمعيات والمؤسسات الخيرية
لم يقتصر دوره على المناصب الحكومية، بل كان حاضرًا بقوة في القطاع غير الربحي. فقد شغل رئاسة مجلس إدارة الجمعية الخيرية الصحية لرعاية المرضى «عناية»، ورئاسة جمعية طب الأطفال، إضافة إلى مواقع قيادية في جمعيات تُعنى بالأطفال ذوي الإعاقة والتوحد والأيتام.
هذا الامتداد بين الحكومي والخيري منح عمله طابع التكامل، حيث لم يكن يرى الصحة مجرد خدمة علاجية، بل منظومة اجتماعية وإنسانية متكاملة.

العمل الدولي والتمثيل الخارجي
عضويته في لجان دولية بمنظمة الصحة العالمية والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر عكست ثقة دولية في خبرته. كما أسهمت في تعزيز حضور المملكة في المحافل الصحية العالمية، في مرحلة كانت فيها السعودية تبني سمعتها الصحية الدولية.
هذا البعد الدولي مهم لفهم شخصيته المهنية، إذ كان جزءًا من جيل ربط بين الخبرة العالمية والتطبيق المحلي.
رؤية استباقية في التوعية الصحية
من المبادرات التي تُحسب له برامج التوعية الصحية، ومنها برنامج «طبيب على الهاتف»، الذي يُعد مبكرًا في فكرته مقارنة بما نراه اليوم من استشارات طبية عن بُعد. هذا يعكس رؤية استباقية في تقريب الخدمة الصحية من المجتمع.
تكريم مستحق وإرث مستمر
فوزه بجائزة الأميرة صيتة في فرع التميز لرواد العمل الاجتماعي يؤكد تقدير المجتمع والمؤسسات لدوره. لكن التكريم الحقيقي ربما يتمثل في استمرار أثره عبر المؤسسات التي أسهم في بنائها، والأطباء الذين درّبهم، والمبادرات التي أطلقها.
رحيل الأشخاص وبقاء الأثر
رحيل الدكتور عبدالرحمن السويلم يذكّر بأن بناء القطاعات لا يتم فقط عبر الخطط والميزانيات، بل عبر أشخاص يملكون رؤية ورسالة. سيرته تمثل نموذجًا لجيل طبي جمع بين العلم والإدارة والعمل الإنساني.
في مرحلة تشهد فيها المنظومة الصحية السعودية تطورًا كبيرًا ضمن رؤية 2030، يبدو من المهم استحضار أسماء الروّاد الذين وضعوا الأسس الأولى. فالتطور الحالي هو امتداد لتراكم خبرات وجهود بدأت منذ عقود.
برحيله، يُطوى فصل من تاريخ الطب السعودي، لكن إرثه يبقى حيًا في كل طبيب درّبه، وكل مؤسسة شارك في تأسيسها، وكل مريض استفاد من منظومة صحية كان له دور في بنائها.
رحم الله الدكتور عبدالرحمن السويلم، فارس الطب والإنسانية، الذي ترك سيرة يصعب اختصارها، وتأثيرًا يصعب أن يُنسى.
اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء


