سياسة

هجمات دامية في بلوشستان تشعل الموقف… والسعودية تُعلن تضامنها الكامل مع باكستان

الترند بالعربي – متابعات

أعادت الهجمات المنسقة التي ضربت إقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان ملف الأمن والاستقرار في هذا الإقليم المضطرب إلى صدارة المشهد الإقليمي، بعدما أسفرت العمليات عن عشرات القتلى والجرحى، واستهدفت مدنيين ومقار أمنية وسجناً ومراكز شرطة ومنشآت شبه عسكرية. وفي خضم هذه التطورات، أعلنت المملكة العربية السعودية إدانتها الشديدة لهذه الهجمات الإرهابية، مؤكدة وقوفها إلى جانب باكستان في مواجهة الإرهاب بكل أشكاله، في موقف يعكس عمق العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين، ويؤكد رفض الرياض القاطع للعنف والتطرف وزعزعة الاستقرار.

الهجمات جاءت في توقيت حساس تعيش فيه باكستان تحديات أمنية متصاعدة، خاصة في الأقاليم الحدودية، ما يجعل أي تصعيد جديد محل متابعة دقيقة من المجتمع الدولي، نظراً لارتباطه بأمن المنطقة الأوسع، وبملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.

بيان سعودي حازم ودعم صريح لإسلام آباد

وزارة الخارجية السعودية عبّرت في بيان رسمي عن إدانة المملكة واستنكارها للهجمات التي نفذها انفصاليون في مناطق متفرقة من إقليم بلوشستان. البيان شدد على أن السعودية ترفض جميع الأعمال الإرهابية والمتطرفة دون استثناء، مؤكداً تضامنها مع الحكومة الباكستانية في جهودها الرامية لحماية أمنها واستقرارها.

كما تضمن البيان تعازي صادقة لأسر الضحايا وللشعب الباكستاني، مع تمنيات بالشفاء العاجل للمصابين. هذا الموقف يأتي امتداداً لسياسة سعودية ثابتة تقوم على دعم الدول الشقيقة في مواجهة التهديدات الأمنية، خاصة تلك المرتبطة بالإرهاب والعنف المسلح.

الموقف السعودي لم يكن مجرد تعبير دبلوماسي، بل رسالة سياسية واضحة بأن أمن باكستان واستقرارها جزء من معادلة الاستقرار في العالم الإسلامي، وأن مكافحة الإرهاب مسؤولية جماعية لا تخص دولة بعينها.

هجمات منسقة تهز بلوشستان

إقليم بلوشستان شهد نحو 12 هجوماً منسقاً في يوم واحد، استهدفت مواقع مدنية وأمنية في عدة مدن. الهجمات شملت استهداف مراكز شرطة، ومنشآت شبه عسكرية، وسجناً شديد الحراسة، إضافة إلى عمليات سطو على بعض البنوك.

المحصلة الدامية لهذه الهجمات تضمنت مقتل عدد من رجال الأمن والشرطة، إلى جانب مدنيين، بينما أعلنت السلطات مقتل عشرات المسلحين خلال الاشتباكات مع قوات الأمن. كما أُصيب عدد من أفراد الشرطة، ودخلت المستشفيات في بعض المناطق حالة تأهب قصوى لاستقبال المصابين.

هذا النمط من الهجمات المنسقة يعكس مستوى عالياً من التخطيط والتنظيم، ويشير إلى قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات متعددة في وقت متقارب، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام الأجهزة الأمنية.

تبنّي «جيش تحرير بلوشستان» للهجمات

أعلنت جماعة «جيش تحرير بلوشستان» الانفصالية مسؤوليتها عن هذه العمليات. هذه الجماعة تُعد من أبرز الفصائل المسلحة في الإقليم، وتتبنى خطاباً انفصالياً يسعى لفصل بلوشستان عن الدولة الباكستانية.

اللافت في هذه الموجة من الهجمات هو استخدام مقاطع دعائية تُظهر مشاركة نساء مقاتلات، في محاولة لإبراز دور المرأة داخل التنظيم، وهو ما يُفسَّر كجزء من حرب إعلامية تهدف إلى لفت الانتباه وإرسال رسائل سياسية ورمزية.

استخدام الإعلام والدعاية بات جزءاً أساسياً من استراتيجيات هذه الجماعات، التي تدرك أن التأثير الإعلامي لا يقل أهمية عن التأثير الميداني.

إجراءات أمنية مشددة في كويتا ومدن أخرى

مدينة كويتا، عاصمة الإقليم، شهدت انفجارات متتالية، وفرضت السلطات طوقاً أمنياً واسعاً، مع إغلاق المتاجر وخلو الشوارع من المارة. شهادات السكان تحدثت عن حالة خوف وارتباك، حيث سُمع دوي انفجارات متكررة منذ ساعات الصباح.

كما تم تعليق حركة القطارات في بعض المناطق، وحدثت اضطرابات في خدمات الهاتف الجوال وحركة السير، ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثته الهجمات على الحياة اليومية للسكان.

في بعض المناطق الأخرى، تمكن مسلحون من تحرير سجناء، والاستيلاء على أسلحة وذخائر من مراكز أمنية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.

إشادة حكومية بقوات الأمن

رئيس الوزراء الباكستاني أشاد بأداء قوات الأمن، مؤكداً أن محاولات زعزعة الاستقرار أُحبطت بفضل الاستجابة السريعة والفعالة. كما شدد على أن الحرب ضد الإرهاب ستستمر حتى القضاء عليه بالكامل.

وزير الداخلية الباكستاني بدوره ندد بالهجمات، وأكد أن القوات الأمنية تمكنت من قتل عشرات المسلحين، في رسالة تهدف إلى طمأنة الرأي العام وإظهار قدرة الدولة على الرد.

الخطاب الرسمي في باكستان يعكس إصراراً على عدم السماح للجماعات المسلحة بفرض واقع أمني جديد، لكنه في الوقت ذاته يقرّ ضمنياً بحجم التحدي القائم.

جذور الأزمة في بلوشستان

بلوشستان إقليم غني بالموارد الطبيعية، خاصة الهيدروكربونات والمعادن، لكنه في المقابل يُعد من أفقر مناطق باكستان. نسبة كبيرة من السكان تعاني الفقر والتهميش، وهو ما تستغله الجماعات الانفصالية في خطابها لتبرير التمرد.

الصراع في الإقليم ليس جديداً، بل يمتد لعقود، ويتداخل فيه البعد السياسي بالاقتصادي والاجتماعي. بعض السكان يشعرون بأن الثروات المحلية لا تنعكس على مستوى معيشتهم، ما يغذي مشاعر السخط.

هذا الواقع يجعل الحل الأمني وحده غير كافٍ، إذ يرى خبراء أن التنمية الاقتصادية والعدالة في توزيع الموارد عنصران أساسيان لتهدئة الأوضاع على المدى الطويل.

تصاعد الهجمات في السنوات الأخيرة

الإحصاءات تشير إلى أن عام 2024 كان شديد الدموية، مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى، نصفهم تقريباً من العسكريين ورجال الشرطة. كما سجلت باكستان مئات الحوادث الإرهابية خلال عام واحد.

عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021 أضافت بعداً جديداً للتحديات الأمنية في المناطق الحدودية، حيث تنشط جماعات مسلحة عابرة للحدود.

التداخل بين الحركات الانفصالية والجماعات المتشددة يخلق بيئة أمنية معقدة، تجعل من الصعب الفصل بين الدوافع السياسية والدوافع الأيديولوجية.

النزوح والقلق في المناطق الحدودية

تقارير تحدثت عن فرار آلاف السكان من بعض المناطق الجبلية، بعد تحذيرات من احتمال اندلاع مواجهات. بعض السكان غادروا رغم الظروف الجوية القاسية، خوفاً من القتال.

الحكومة نفت وجود عمليات عسكرية واسعة مخطط لها في بعض المناطق، ووصفت بعض حالات النزوح بأنها انتقالات موسمية، لكن مصادر أخرى أشارت إلى وجود مشاورات أمنية حول تحركات المسلحين.

في كل الأحوال، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في أي تصعيد أمني، حيث يدفعون الثمن الأكبر من حيث النزوح والخسائر المعيشية.

الدلالة الإقليمية للموقف السعودي

إدانة السعودية للهجمات تحمل بعداً يتجاوز التضامن الثنائي، إذ تعكس موقفاً مبدئياً ضد الإرهاب، ورسالة بأن استقرار باكستان مهم للأمن الإقليمي.

العلاقات السعودية – الباكستانية تاريخياً وثيقة، وتشمل تعاوناً سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وبالتالي فإن أي تهديد لأمن باكستان يُنظر إليه بجدية في الرياض.

هذا الموقف يعزز أيضاً صورة السعودية كشريك في جهود مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي.

بين الأمن والتنمية… أي طريق للمستقبل؟

تجربة بلوشستان تُظهر أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي. فالتنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، عوامل أساسية لتجفيف منابع التوتر.

في المقابل، لا يمكن إغفال أهمية فرض سيادة الدولة ومنع الجماعات المسلحة من استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية.

التوازن بين الحزم الأمني والإصلاح التنموي يظل التحدي الأكبر أمام إسلام آباد في هذا الملف.

مشهد مفتوح على احتمالات متعددة

الهجمات الأخيرة قد تدفع إلى تعزيز الإجراءات الأمنية، وربما إلى عمليات عسكرية محدودة في بعض المناطق. لكنها قد تفتح أيضاً نقاشاً داخلياً حول جذور الأزمة.

المجتمع الدولي يراقب، لأن استقرار باكستان مهم ليس فقط لها، بل للمنطقة بأكملها، خاصة في ظل موقعها الجيوسياسي الحساس.

الأسئلة الشائعة

من يقف وراء هجمات بلوشستان الأخيرة؟
تبنّت جماعة «جيش تحرير بلوشستان» الانفصالية المسؤولية عن الهجمات.

كيف كان الموقف السعودي؟
أدانت السعودية الهجمات بشدة وأكدت تضامنها مع باكستان.

لماذا يشهد الإقليم توتراً دائماً؟
بسبب خليط من التهميش الاقتصادي، والمطالب السياسية، والنشاط المسلح.

هل يمكن أن يتكرر التصعيد؟
الاحتمال قائم في ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة.

ما الحل طويل المدى؟
مزيج من الأمن والتنمية ومعالجة أسباب التوتر الاجتماعية والاقتصادية.

في النهاية، تعكس أحداث بلوشستان أن مكافحة الإرهاب ليست معركة أمنية فقط، بل معركة استقرار وتنمية وعدالة. والمواقف الدولية الداعمة، مثل الموقف السعودي، تبقى عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الدول على مواجهة هذه التحديات، لكن الحل الجذري يبدأ من الداخل، حيث تُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع، ويُغلق الباب أمام دوامات العنف المتكررة.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى