سياسة

تعويض ضخم ليوتيوبر معارض بعد اختراق هاتفه.. قضية تجسس تُشعل جدلاً قانونياً وسياسياً في بريطانيا

الترند بالعربي – متابعات

تحولت قضية اليوتيوبر والكوميدي السعودي المقيم في بريطانيا غانم المسارير إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف التجسس الرقمي وحقوق الخصوصية، بعدما أصدرت المحكمة العليا في لندن حكماً يقضي بتعويضه بأكثر من ثلاثة ملايين جنيه إسترليني على خلفية اختراق هواتفه ببرنامج تجسس متطور قبل سنوات. الحكم أعاد تسليط الضوء على عالم المراقبة الرقمية العابرة للحدود، وعلى التداخل بين حرية التعبير والصراعات السياسية والتقنية في العصر الرقمي.

منذ لحظة صدور الحكم، لم تعد القضية مجرد نزاع فردي، بل أصبحت نموذجاً يُستشهد به في النقاشات القانونية حول مسؤولية الدول عن أنشطة التجسس السيبراني خارج أراضيها، وحدود الحصانة السيادية عندما يتعلق الأمر بانتهاك الخصوصية الشخصية.

بداية القصة.. إشارات تقنية غير مريحة
القصة تعود إلى عام 2018، حين بدأ المسارير يلاحظ تغيرات غير طبيعية في أداء هواتفه. البطارية تنفد بسرعة، والجهاز يصبح بطيئاً دون سبب واضح، ورسائل غامضة تحتوي على روابط تصل إليه من مصادر تبدو إعلامية. لم تكن هذه المؤشرات في البداية كافية لإثارة يقين كامل، لكنها شكلت بذور الشك الأولى.

مع الوقت، تزايدت المخاوف عندما بدأ يلاحظ وجود أشخاص يقتربون منه في أماكن مختلفة بلندن، ويتعاملون معه وكأنهم يعرفون تحركاته مسبقاً. هذا التزامن بين الأعطال التقنية والمضايقات الميدانية دفعه للاعتقاد بأن هاتفه ربما يكون مخترقاً.

تحليل تقني يقود إلى “بيغاسوس”
خبراء الأمن السيبراني الذين فحصوا هاتفه توصلوا إلى أن جهازه تعرض لاختراق عبر برنامج التجسس الشهير Pegasus. هذا البرنامج معروف بقدرته على الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والرسائل والموقع الجغرافي دون علم المستخدم.

التحليل الجنائي الرقمي أظهر أن الاختراق تم عبر النقر على روابط خبيثة أُرسلت في رسائل نصية. هذه الطريقة تُعرف بأسلوب “الهندسة الاجتماعية”، حيث يُدفع الضحية للنقر على رابط يبدو موثوقاً.

الاعتداء الجسدي وتصاعد المخاوف
لم تتوقف القضية عند الاختراق الرقمي. ففي أغسطس 2018، تعرض المسارير لاعتداء جسدي في وسط لندن. شهود أفادوا بأن مهاجمين اقتربوا منه واعتدوا عليه لفظياً وجسدياً قبل أن يتدخل مارة. القاضي وصف الواقعة لاحقاً بأنها “مدبرة مسبقاً”، خاصة مع وجود سماعة أذن لدى أحد المهاجمين، ما أثار تساؤلات حول وجود تنسيق مسبق.

بعد الحادثة، أصبح المسارير أكثر حذراً في تحركاته، وتراجع نشاطه العلني تدريجياً.

المسار القضائي الطويل
المعارك القانونية استمرت سنوات. في البداية، جرى الدفع بحصانة الدولة استناداً إلى قانون حصانة الدول لعام 1978، لكن المحكمة البريطانية قضت لاحقاً بعدم انطباق الحصانة في هذه الحالة. هذا القرار فتح الباب لمتابعة الدعوى.

ومع عدم حضور ممثلين عن الجانب السعودي في جلسات لاحقة، مضت المحكمة في إصدار حكمها النهائي بالتعويض.

ماذا يعني حكم التعويض؟
المبلغ المحكوم به يتجاوز ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، وهو رقم كبير في قضايا الخصوصية الرقمية. لكنه من الناحية القانونية لا يعني إدانة جنائية بقدر ما يمثل مسؤولية مدنية عن الضرر.

كما أن تنفيذ الحكم عملياً يعتمد على آليات قانونية دولية معقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة ذات سيادة.

الأثر النفسي والمهني
المسارير صرّح بأن الضرر النفسي الذي لحق به يفوق أي تعويض مالي. منذ الحادثة، تراجع نشاطه على يوتيوب وتوقف عن النشر لفترات طويلة. الرجل الذي عُرف بأسلوبه الساخر والجريء بات أكثر تحفظاً، ويقول إن حياته تغيرت بالكامل.

هذا الجانب الإنساني في القضية يعكس كيف يمكن للاختراق الرقمي أن يتجاوز حدود التقنية ليطال الاستقرار النفسي والمهني.

برنامج بيغاسوس.. أداة مثيرة للجدل
برنامج NSO Group المطوِّر لـ“بيغاسوس” يؤكد أنه يبيع تقنياته للحكومات فقط بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة. لكن تقارير متعددة أشارت إلى استخدامه ضد صحفيين ونشطاء ومعارضين حول العالم.

هذا التناقض بين الهدف المعلن والاستخدام الفعلي جعل البرنامج محور نقاش عالمي حول أخلاقيات تقنيات المراقبة.

حرية التعبير تحت المجهر
المسارير اشتهر بمقاطع ساخرة تنتقد شخصيات سياسية سعودية بارزة، من بينها محمد بن سلمان. هذا البعد السياسي أضاف حساسية إضافية للقضية، إذ يربطها البعض بحرية التعبير للمعارضين في الخارج.

في المقابل، لا توجد في الحكم إدانة سياسية مباشرة، بل تركيز قانوني على مسألة الاختراق والضرر.

تداعيات دولية محتملة
القضية قد تُستخدم مستقبلاً كسابقة قانونية في ملفات مشابهة، خاصة مع ازدياد النزاعات المرتبطة بالتجسس السيبراني. دول كثيرة تراقب مثل هذه الأحكام لأنها قد تؤثر على علاقاتها القانونية والدبلوماسية.

الخط الفاصل بين الأمن والخصوصية
الحكومات حول العالم تبرر استخدام أدوات المراقبة بدوافع أمنية، بينما يرى المدافعون عن الخصوصية أن هذه الأدوات قد تتحول بسهولة إلى وسائل رقابة مفرطة. قضية المسارير تقع في قلب هذا الجدل.

هل يتغير المشهد مستقبلاً؟
من غير المتوقع أن تكون هذه آخر قضية من هذا النوع. مع تطور أدوات الاختراق، تتزايد التحديات القانونية والأخلاقية. الخبراء يتوقعون تشديداً أكبر في التشريعات المتعلقة بالرقابة الرقمية.

الأسئلة الشائعة

هل الحكم يعني إدانة جنائية؟
لا، هو حكم مدني بالتعويض عن الضرر.

هل سيدفع التعويض فعلياً؟
غير واضح، لأن التنفيذ يعتمد على إجراءات دولية.

هل بيغاسوس غير قانوني؟
البرنامج نفسه ليس غير قانوني، لكن طريقة استخدامه قد تكون كذلك.

هل يمكن أن تتكرر مثل هذه القضايا؟
نعم، مع انتشار أدوات المراقبة الرقمية.

في النهاية، تعكس هذه القضية تعقيد العصر الرقمي، حيث تتداخل التكنولوجيا مع السياسة والقانون وحقوق الإنسان. وبينما يرى البعض الحكم انتصاراً للخصوصية، يراه آخرون جزءاً من صراع أوسع حول حدود السلطة في الفضاء الرقمي. المؤكد أن الجدل حول المراقبة السيبرانية لن يتوقف قريباً.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى