سياسةالعالم العربيسياسة العالم

طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة

الترند بالعربي – متابعات

أثار وصول طائرة أميركية متخصصة في رصد الأسلحة النووية إلى الأراضي البريطانية موجة واسعة من التساؤلات والتحليلات السياسية والعسكرية، في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتكثيف التحركات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط وأوروبا. هذه الخطوة، التي بدت فنية في ظاهرها، تحمل في طياتها رسائل استراتيجية تتجاوز مجرد مهمة استطلاع روتينية.

الاهتمام الذي حظي به الحدث لم يكن مفاجئًا، فهذه الطائرة تُعد واحدة من أكثر الأصول الجوية الأميركية ارتباطًا بملفات الردع النووي، ومراقبة الالتزام بالاتفاقيات الدولية، ورصد أي نشاط نووي غير معلن قد يشكل تهديدًا للأمن العالمي.

طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة
طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة

ما هي الطائرة التي وصلت إلى بريطانيا؟

الطائرة التي حطّت في بريطانيا تتبع سلاح الجو الأميركي، وتحمل اسم «WC-135R Constant Phoenix»، وهي منصة جوية متخصصة في رصد الجسيمات المشعة في الغلاف الجوي. وتُستخدم هذه الطائرة منذ عقود في مهام دقيقة تتعلق بالكشف عن أي اختبارات نووية سرية أو تسريبات إشعاعية ناتجة عن أنشطة غير معلنة.

وتُعرف هذه الطائرة بأنها جزء أساسي من منظومة المراقبة النووية الأميركية والدولية، حيث تقوم بجمع عينات من الهواء وتحليلها للكشف عن آثار نظائر مشعة قد تدل على تفجير نووي، سواء كان فوق الأرض أو تحتها.

هبوط في قاعدة بريطانية ذات أهمية استراتيجية

هبطت الطائرة الأميركية في قاعدة ميلدنهال الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، في مقاطعة سوفولك شرقي إنجلترا. وتُعد هذه القاعدة من أهم المنشآت العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وغالبًا ما تُستخدم كنقطة انطلاق أو عبور للعمليات الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط.

اختيار هذه القاعدة تحديدًا يعكس مستوى التنسيق العسكري الوثيق بين واشنطن ولندن، ويمنح الطائرة موقعًا جغرافيًا مناسبًا لتنفيذ مهام مراقبة واسعة النطاق تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط.

توقيت مثير وسط تصاعد التوتر مع إيران

يأتي وصول الطائرة في وقت تتصاعد فيه التكهنات بشأن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، على خلفية تعثر المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي، وتصاعد الخطاب السياسي بين الطرفين. وقد زاد من حساسية التوقيت تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب لطهران من أن «الوقت ينفد» للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن حظر الأسلحة النووية.

كما تزامن الحدث مع خطوة أوروبية لافتة، تمثلت في تصنيف الاتحاد الأوروبي للحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، ما يشير إلى تصعيد سياسي متدرج يضع الملف الإيراني في قلب التوترات الدولية.

طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة
طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة

هل تعني الطائرة اقتراب عمل عسكري؟

رغم المخاوف التي أثارها الهبوط المفاجئ، أكدت مصادر دفاعية غربية أن وجود الطائرة لا يعني بالضرورة قرب تنفيذ عمل عسكري. ووفق هذه المصادر، فإن مهام «WC-135R» تندرج أساسًا ضمن أنشطة المراقبة والامتثال لاتفاقيات حظر التجارب النووية، وليس التحضير لضربات عسكرية مباشرة.

غير أن مراقبين يرون أن نشر مثل هذه الطائرة في هذا التوقيت يظل مؤشرًا على رفع مستوى الجاهزية، واستعداد المؤسسات العسكرية لرصد أي تطور مفاجئ قد يطرأ على الساحة النووية.

سجل سابق يعزز الشكوك

ما يزيد من حدة التساؤلات هو السجل التاريخي لهذه الطائرة، إذ سبق نشرها في مناطق توتر قبل أحداث كبرى. فبحسب صحيفة تلغراف البريطانية، تم نقل الطائرة من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط قبل أيام فقط من القصف الأميركي للمنشآت النووية الإيرانية خلال صيف العام الماضي.

كما كانت الطائرة قد هبطت في بريطانيا مطلع عام 2022، قبل أسابيع من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يجعل تحركاتها محل متابعة دقيقة من قبل مراكز التحليل الاستراتيجي.

طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة
طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة

مهمات أممية تتجاوز الحسابات الثنائية

إلى جانب دورها الأميركي، تؤدي الطائرة مهام بتكليف من الأمم المتحدة، ضمن منظومة مراقبة الامتثال لاتفاقيات حظر التجارب النووية. وقد نفذت سابقًا طلعات لجمع عينات هواء في مناطق متعددة حول العالم، شملت المحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط، والمناطق القطبية.

وتؤكد مصادر مطلعة أن مهمة الطائرة ليست البحث عن أسلحة نووية بحد ذاتها، بل التأكد من عدم إجراء تجارب نووية أرضية أو جوية محظورة، ما يمنحها طابعًا رقابيًا دوليًا، لا يقتصر على أجندة دولة بعينها.

نشاط عسكري متزامن يلفت الانتباه

في السياق ذاته، أظهرت صور من قاعدة ميلدنهال تدريبات لقوات خاصة أميركية، شملت عمليات إنزال سريع بالحبال من طائرات V-22 Osprey. هذا النشاط المتزامن، وإن كان قد يندرج ضمن تدريبات دورية، أضاف بعدًا آخر للتكهنات حول طبيعة المرحلة الحالية.

ويرى محللون أن تزامن الأنشطة الجوية والاستخباراتية مع تدريبات القوات الخاصة يعكس حالة استعداد عام، دون أن يعني بالضرورة اقتراب مواجهة مباشرة.

طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة
طائرة «كاشفة النووي» الأميركية في بريطانيا تثير تساؤلات استراتيجية حساسة

مخاوف روسية وإشارات من بوشهر

على الجانب الآخر من المشهد، أعلن رئيس مؤسسة الطاقة النووية الروسية أليكسي ليخاتشيف استعداد بلاده لإجلاء موظفيها من محطة بوشهر النووية الإيرانية عند الضرورة. هذا التصريح فُهم على نطاق واسع باعتباره مؤشرًا على قلق موسكو من احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة.

كما يعكس الموقف الروسي إدراكًا لحساسية أي استهداف محتمل للمنشآت النووية، وما قد يترتب عليه من مخاطر بيئية وإشعاعية تتجاوز حدود إيران.

حسابات إقليمية معقدة

أعربت مصادر إقليمية عن مخاوف من أن تؤدي أي ضربة أميركية محتملة إلى نتائج عكسية، قد تعزز تماسك النظام الإيراني بدل إضعافه، خصوصًا في ظل غياب خليفة واضح للمرشد الأعلى علي خامنئي.

وتشير هذه المصادر إلى أن سيناريو انهيار سياسي مفاجئ قد يفتح الباب أمام سيطرة الحرس الثوري على مفاصل الحكم، ما قد يدفع نحو سياسات أكثر تشددًا وتصعيدًا، بدل احتواء الأزمة.

سيناريوهات غير محسوبة العواقب

حذر مسؤولون ودبلوماسيون عرب من أن أي تصعيد عسكري واسع قد يقود إلى فوضى إقليمية، تتجاوز حدود إيران، وتمتد آثارها إلى دول الجوار، سواء عبر موجات نزوح، أو اضطرابات أمنية، أو تصعيد نووي غير مباشر.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن سياسة الاحتواء، رغم صعوبتها، تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بمغامرة عسكرية قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.

رسائل استراتيجية متعددة الاتجاهات

وصول الطائرة الأميركية إلى بريطانيا يحمل في جوهره رسائل متعددة، موجهة إلى أطراف مختلفة. فهي رسالة ردع لإيران مفادها أن الأنشطة النووية تحت المراقبة الدقيقة، ورسالة طمأنة للحلفاء الأوروبيين بشأن الالتزام الأميركي بالأمن الجماعي، ورسالة داخلية تعكس جاهزية المؤسسات العسكرية للتعامل مع أي طارئ.

هذه الرسائل، وإن لم تُعلن رسميًا، تُقرأ بوضوح في لغة التحركات العسكرية المدروسة.

بين المراقبة والتصعيد المحتمل

يبقى الحدث في المنطقة الرمادية بين المراقبة الروتينية والتصعيد المحتمل. فالتاريخ أثبت أن مثل هذه التحركات قد تسبق أحيانًا تطورات كبرى، لكنها في أحيان أخرى تمر دون أن تفضي إلى مواجهة مباشرة.

ما يحسم الاتجاه في النهاية هو المسار السياسي، وقدرة الأطراف المعنية على ضبط الإيقاع، ومنع الانزلاق نحو سيناريوهات غير محسوبة.

ماذا يعني ذلك للمشهد الدولي؟

يعكس هذا التطور هشاشة التوازنات الدولية في ملف الانتشار النووي، ويؤكد أن أي خلل في منظومة الردع أو المراقبة قد تكون له تداعيات عالمية. كما يبرز الدور المتزايد للتقنيات المتقدمة في إدارة الأزمات، حيث أصبحت الطائرات وأجهزة الاستشعار جزءًا لا يتجزأ من الدبلوماسية الحديثة.

في ظل هذا الواقع، تبقى العيون مفتوحة على التحركات المقبلة، سواء في بريطانيا أو الشرق الأوسط، بحثًا عن مؤشرات إضافية على اتجاهات المرحلة القادمة.

ما هي مهمة طائرة «WC-135R Constant Phoenix»؟
مهمتها رصد الجسيمات المشعة في الغلاف الجوي للكشف عن أي تجارب نووية أو أنشطة إشعاعية غير معلنة.

هل يعني وصول الطائرة إلى بريطانيا اقتراب ضربة عسكرية؟
لا توجد مؤشرات مؤكدة على عمل عسكري وشيك، إذ تؤكد مصادر دفاعية أن مهمتها رقابية بالأساس.

لماذا يُعد توقيت وصول الطائرة حساسًا؟
لأنه يتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وضغوط دولية متزايدة بشأن الملف النووي.

ما دلالة هبوطها في قاعدة ميلدنهال؟
القاعدة ذات موقع استراتيجي وتُستخدم لدعم العمليات الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط.

هل للطائرة دور أممي؟
نعم، كُلّفت سابقًا بمهام مراقبة إشعاعية لصالح الأمم المتحدة ضمن اتفاقيات حظر التجارب النووية.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى