منوعات

كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص

الترند بالعربي – متابعات

في واحدة من أكثر الكوارث دموية في تاريخ التعدين غير النظامي، لقي أكثر من 200 شخص مصرعهم إثر انهيار منجم للكولتان في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في حادثة أعادت تسليط الضوء على المخاطر القاتلة التي تحيط بصناعة المعادن النادرة في مناطق النزاع، حيث يختلط الفقر بالعنف المسلح وغياب الرقابة، ليُنتج مشهدًا إنسانيًا بالغ القسوة.

الانهيار الذي وقع هذا الأسبوع في منجم روبايا لم يكن مجرد حادث عرضي، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال، والعمل العشوائي، وسيطرة جماعات مسلحة على أحد أهم مصادر المعادن الاستراتيجية في العالم، ما جعل الضحايا يدفعون ثمن صراع لا يملكون فيه أي خيار.

تفاصيل الحادثة وعدد الضحايا

قال مسؤولون محليون إن الانهيار الأرضي وقع يوم الأربعاء داخل منجم روبايا للكولتان، وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص، بينهم عمال مناجم، ونساء، وأطفال كانوا موجودين في محيط السوق القريب من موقع الحفر. وأوضح مصدر رسمي أن العدد المؤكد للضحايا بلغ ما لا يقل عن 227 قتيلًا حتى مساء الجمعة، مع استمرار عمليات البحث وسط صعوبات ميدانية كبيرة.

وأضاف المسؤول أن بعض الأشخاص جرى إنقاذهم في اللحظات الأولى، لكنهم أُصيبوا بجروح خطيرة، في ظل غياب تجهيزات إسعاف كافية، وبعد الموقع عن المراكز الطبية، ما فاقم حجم المأساة.

كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص
كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص

منجم روبايا.. كنز معدني في قلب الخطر

يُعد منجم روبايا واحدًا من أهم مواقع إنتاج الكولتان في العالم، إذ يوفّر نحو 15% من الإنتاج العالمي لهذا المعدن الحيوي، الذي يُعالج لاحقًا لاستخراج التنتالوم، وهو عنصر أساسي في صناعة الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، ومكونات الفضاء، والتوربينات الغازية.

هذا الموقع الاستراتيجي، بدل أن يكون مصدر تنمية محلية، تحوّل إلى بؤرة خطر دائم، يعمل فيه السكان المحليون في ظروف بالغة القسوة، مقابل بضعة دولارات يوميًا، دون أي إجراءات سلامة، أو معدات حماية، أو إشراف هندسي.

سيطرة المتمردين تعقّد المشهد

يقع منجم روبايا في منطقة تخضع منذ عام 2024 لسيطرة حركة 23 مارس المتمردة، وهي جماعة مسلحة تنشط في شرق البلاد، وتتهمها تقارير أممية بالاستفادة من تجارة المعادن لتمويل عملياتها العسكرية.

هذه السيطرة المسلحة جعلت من الصعب على السلطات المركزية فرض أي رقابة، أو تطبيق معايير السلامة، كما حدّت من قدرة فرق الإنقاذ على الوصول السريع والمنظم إلى موقع الكارثة، وسط مخاوف أمنية متزايدة.

ضحايا بلا حماية ولا صوت

بحسب روايات محلية، كان بين الضحايا عمال حفر، وباعة في السوق المجاور، وأطفال كانوا برفقة ذويهم، ما يعكس الطبيعة العشوائية للمكان، حيث تتداخل مناطق العمل الخطرة مع الحياة اليومية للسكان.

غياب أي فصل بين المنجم والمناطق السكنية، إلى جانب العمل اليدوي غير المنظم، جعل الانهيار أشبه بكارثة جماعية، لا يمكن حصرها في نطاق مهني ضيق.

كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص
كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص

التعدين اليدوي.. مصدر رزق أم فخ موت؟

يعتمد آلاف السكان في شرق الكونغو على التعدين اليدوي كمصدر رزق شبه وحيد، في ظل غياب فرص العمل، واستمرار النزاعات المسلحة، وانهيار البنية الاقتصادية. غير أن هذا النشاط، الذي يجري غالبًا دون تراخيص أو إشراف، يُعد من أخطر أشكال العمل في العالم.

عمال المناجم يحفرون بأدوات بدائية، داخل أنفاق غير مدعمة، معرضة للانهيار في أي لحظة، خاصة خلال مواسم الأمطار أو عند زيادة عمق الحفر دون حسابات هندسية.

تأخر الإعلان وصعوبة الحصر

أحد التحديات التي رافقت الكارثة تمثل في صعوبة تحديد العدد الدقيق للضحايا، إذ لم يتضح حجم الخسائر البشرية إلا بعد مرور يومين، بسبب غياب سجلات رسمية للعمال، وتشابك موقع المنجم مع مناطق مفتوحة يدخلها ويغادرها أشخاص دون أي تنظيم.

مصدر في المنطقة أوضح أن كثيرًا من الضحايا لم يكونوا مسجلين كعمال، بل كانوا موجودين في المكان لأسباب مختلفة، ما جعل عملية الإحصاء بطيئة ومعقدة.

غياب الدولة في مناطق النزاع

تُبرز هذه الكارثة مجددًا مشكلة غياب الدولة في مناطق النزاع بشرق الكونغو، حيث تفرض الجماعات المسلحة أمرًا واقعًا، وتتحكم في الموارد الطبيعية، بينما يبقى السكان المحليون الحلقة الأضعف.

غياب المؤسسات الرسمية لا يعني فقط انعدام الأمن، بل أيضًا غياب قوانين العمل، ومعايير السلامة، والقدرة على الاستجابة للطوارئ، ما يحوّل أي حادث إلى مأساة كبرى.

كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص
كارثة إنسانية تهز شرق الكونغو.. انهيار منجم يقتل أكثر من 200 شخص

سلسلة كوارث لا تنتهي

لم تأتِ كارثة روبايا بمعزل عن سياق أوسع من المآسي في الكونغو الديمقراطية. فقبل أيام فقط، أودت فيضانات عنيفة بحياة مئات الأشخاص في مناطق أخرى من البلاد، ما يعكس هشاشة البنية التحتية، وضعف القدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية والبشرية.

هذا التتابع الكارثي يضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات جدية حول مسؤولياته تجاه واحدة من أغنى دول العالم بالموارد، وأفقرها من حيث حماية الإنسان.

الكولتان.. معدن العالم المتقدم

المفارقة المؤلمة أن الكولتان المستخرج من روبايا يدخل في صناعة أحدث التقنيات التي يعتمد عليها العالم المتقدم يوميًا. فبينما يستمتع ملايين المستخدمين بهواتفهم الذكية، يدفع عمال المناجم في الكونغو حياتهم ثمنًا لهذه السلسلة الإنتاجية.

هذه المفارقة تفتح نقاشًا أخلاقيًا حول سلاسل التوريد العالمية، ومسؤولية الشركات الكبرى في التأكد من أن المعادن التي تستخدمها لا تأتي من مناطق نزاع أو من ظروف عمل قاتلة.

دعوات للمحاسبة والرقابة

عقب الكارثة، تعالت أصوات محلية ودولية تطالب بفتح تحقيق مستقل، ومحاسبة الجهات المسؤولة، سواء كانت جماعات مسلحة تستغل الموارد، أو أطرافًا دولية تغض الطرف عن مصادر هذه المعادن.

كما دعا ناشطون إلى فرض رقابة أشد على تجارة الكولتان، وربطها بمعايير صارمة تحمي العمال، وتمنع تمويل النزاعات المسلحة.

الإنقاذ وسط الخطر

عمليات الإنقاذ التي أُطلقت عقب الانهيار واجهت تحديات جسيمة، من بينها ضعف المعدات، وخطر الانهيارات المتكررة، والوضع الأمني غير المستقر. كثير من عمليات البحث جرت بأيدٍ عارية، في محاولة يائسة لانتشال العالقين.

هذه المشاهد المؤلمة كشفت مرة أخرى عن افتقار المنطقة لأي بنية إنقاذ حقيقية، ما يضاعف الخسائر البشرية في مثل هذه الحوادث.

الأطفال في قلب المأساة

وجود أطفال بين الضحايا أعاد طرح قضية عمالة الأطفال في مناطق التعدين، حيث يضطر كثيرون إلى مرافقة ذويهم أو العمل بأنفسهم للمساعدة في تأمين لقمة العيش.

هذه الظاهرة، المنتشرة في شرق الكونغو، تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الطفل، وتحوّل المناجم إلى أماكن موت محتملة لأجيال كاملة.

مسؤولية المجتمع الدولي

رغم تقارير الأمم المتحدة المتكررة حول استغلال الموارد في الكونغو، لا تزال الاستجابة الدولية محدودة، وغالبًا ما تقتصر على بيانات الإدانة، دون إجراءات فعالة على الأرض.

كارثة روبايا تعيد التأكيد على أن تجاهل جذور المشكلة، من فقر ونزاع وغياب حوكمة، يعني تكرار المأساة بشكل دوري.

هل يتغير شيء بعد الكارثة؟

السؤال الذي يطرحه الكونغوليون اليوم هو ما إذا كانت هذه الفاجعة ستُحدث فرقًا حقيقيًا، أم ستُضاف إلى قائمة طويلة من الكوارث المنسية. التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل، لكن حجم الضحايا قد يفرض ضغطًا دوليًا أكبر هذه المرة.

بين الثروة والموت

شرق الكونغو يختصر تناقضًا صارخًا بين ثروة طبيعية هائلة، وبؤس إنساني عميق. منجم روبايا، الذي يزوّد العالم بمعدن استراتيجي، تحوّل إلى مقبرة جماعية، في مشهد يلخص فشل النظام الدولي في حماية الإنسان قبل الموارد.

أين وقع انهيار المنجم؟
في منجم روبايا للكولتان بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

كم عدد الضحايا؟
أكثر من 200 شخص، والعدد المؤكد بلغ 227 قتيلًا على الأقل.

ما أهمية منجم روبايا؟
ينتج نحو 15% من الكولتان العالمي المستخدم في الصناعات التكنولوجية.

من يسيطر على المنطقة؟
تخضع المنطقة لسيطرة حركة 23 مارس المتمردة منذ عام 2024.

لماذا تتكرر هذه الكوارث؟
بسبب التعدين العشوائي، وغياب الرقابة، وسيطرة الجماعات المسلحة، وانعدام إجراءات السلامة.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى