الترند العربي – متابعات
يشهد القضاء الإداري في المملكة العربية السعودية مرحلة تحول نوعية، تتقاطع فيها العدالة مع الابتكار، وتلتقي فيها الخبرة القانونية مع أدوات الذكاء الاصطناعي، في مشهد يعكس توجهًا وطنيًا واضحًا نحو تحديث منظومة التقاضي، ورفع كفاءتها، وتسريع إجراءاتها، وتحسين تجربة المستفيدين. وفي قلب هذا التحول، يبرز «هاكاثون ذكاء القضاء» الذي ينظمه ديوان المظالم بوصفه مبادرة استراتيجية تستهدف إشراك المجتمع التقني والقانوني في صناعة مستقبل القضاء.
الإقبال اللافت على الهاكاثون، والذي تجاوز أكثر من ألف مشارك ضمن 260 فريقًا ابتكاريًا، لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة عن حجم الاهتمام المتزايد بتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العدالة، وعن استعداد جيل كامل للمساهمة في تطوير أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا في المجتمع.

إقبال واسع يعكس وعيًا بدور التقنية في العدالة
أعلن ديوان المظالم انتهاء مرحلة فرز الفرق المتقدمة للمشاركة في هاكاثون ذكاء القضاء، بعد فترة تسجيل شهدت كثافة عالية من الطلبات المقدمة من مختلف مناطق المملكة. هذا الإقبال لم يأتِ من فئة واحدة، بل شمل طيفًا واسعًا من المبتكرين، ضم مختصين في القانون، ومهندسي برمجيات، وباحثين في الذكاء الاصطناعي، وطلاب جامعات، ورواد أعمال، ما منح الهاكاثون تنوعًا معرفيًا يعزز فرص الوصول إلى حلول متكاملة.
ويعكس هذا التفاعل المتزايد وعيًا متناميًا بأهمية التحول الرقمي في القضاء، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتراكم القضايا، وتعقيد الإجراءات، والحاجة إلى رفع كفاءة العمل القضائي دون الإخلال بمبادئ العدالة والشفافية.

هاكاثون ذكاء القضاء.. من المنافسة إلى صناعة الحلول
لا يقدّم ديوان المظالم هذا الهاكاثون بوصفه مسابقة تقنية تقليدية، بل كمنصة ابتكار تشاركية تهدف إلى إنتاج حلول قابلة للتطبيق داخل منظومة القضاء الإداري. فالمبادرة تنطلق من قناعة بأن الابتكار الحقيقي لا يتحقق بمعزل عن الواقع، وإنما من خلال معالجة تحديات فعلية تواجه القضاة، والموظفين، والمستفيدين.
ولهذا، صُممت مسارات الهاكاثون لتتناول قضايا جوهرية، مثل تقليص زمن التقاضي، وتحسين إدارة القضايا، وتسهيل الوصول إلى الخدمات القضائية، وتحليل البيانات القانونية، وتطوير أدوات دعم القرار القضائي، بما يضمن رفع جودة المخرجات وتعزيز الكفاءة التشغيلية.

الذكاء الاصطناعي كأداة لتجويد إجراءات التقاضي
يحتل الذكاء الاصطناعي موقع القلب في هذا الهاكاثون، ليس باعتباره تقنية مستقبلية بعيدة، بل كأداة عملية يمكن توظيفها اليوم لتحسين إجراءات التقاضي. وتشمل الحلول المطروحة نماذج لتحليل السوابق القضائية، وأنظمة ذكية لفرز القضايا، وتطبيقات تساعد على التنبؤ بالمدد الزمنية المتوقعة للفصل في الدعاوى، إضافة إلى منصات تفاعلية تحسّن تجربة المستفيد وتبسط الإجراءات.
ويركّز ديوان المظالم على أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي داعمًا للعمل القضائي لا بديلًا عنه، بحيث يظل القاضي في قلب العملية القضائية، بينما تتولى التقنية المهام المساندة التي تستهلك الوقت والجهد، وتقلل من الكفاءة عند إنجازها يدويًا.
ورش تمهيدية وجلسات تطوير قبل الانطلاق
بعد انتهاء مرحلة الفرز، يستعد ديوان المظالم لعقد لقاءات تعريفية وورش عمل تمهيدية للفرق المشاركة، تهدف إلى صقل الأفكار، وتوجيهها بما يتناسب مع احتياجات القضاء الإداري، وشرح التحديات التقنية والقانونية التي ينبغي مراعاتها أثناء تطوير الحلول.
ومن المقرر أن تُعقد فعاليات الهاكاثون خلال يومي 4 و5 فبراير المقبل، حيث ستتنافس الفرق على تقديم نماذج أولية لمشاريعها، أمام لجان تحكيم تضم خبراء في القضاء، والتقنية، والتحول الرقمي، مع التركيز على قابلية التطبيق، والأثر المتوقع، ومستوى الابتكار.

القضاء الإداري في مسار التحول الرقمي
يأتي هاكاثون ذكاء القضاء ضمن مسار أوسع يشهده القضاء الإداري في المملكة، في إطار التحول الرقمي الذي تتبناه الجهات العدلية، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. ويهدف هذا التحول إلى بناء منظومة قضائية رقمية متكاملة، تعتمد على البيانات، وتوظف التقنيات الحديثة، وتضع المستفيد في قلب التجربة.
وقد قطع ديوان المظالم شوطًا مهمًا في هذا المسار، عبر إطلاق منصات إلكترونية متقدمة، وتطوير خدمات التقاضي عن بُعد، وتحسين كفاءة الإجراءات، وهو ما يمهّد الطريق لتبني حلول الذكاء الاصطناعي الناتجة عن هذا الهاكاثون.
شراكة بين العقل القانوني والعقل التقني
أحد أبرز مكاسب هاكاثون ذكاء القضاء يتمثل في خلق مساحة تفاعل حقيقية بين المختصين في القانون والمختصين في التقنية. هذا التفاعل يسهم في تجاوز الفجوة التقليدية بين الجانبين، ويؤسس لفهم مشترك لطبيعة التحديات، وحدود الحلول، وآفاق التطوير.
فالقضاء، بطبيعته، يحتاج إلى حلول تقنية تحترم خصوصيته، وتراعي حساسيته، وتحافظ على مبادئ العدالة، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال شراكة حقيقية بين العقول القانونية والتقنية، وهي الشراكة التي يسعى الهاكاثون إلى ترسيخها.
نحو تجربة قضائية أكثر كفاءة وإنسانية
لا يقتصر الهدف من هاكاثون ذكاء القضاء على تسريع الإجراءات فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تحسين التجربة الإنسانية للمستفيد. فتبسيط الخطوات، ووضوح الإجراءات، وسهولة الوصول إلى المعلومات، كلها عناصر تسهم في تعزيز الثقة في القضاء، وتخفيف العبء النفسي والإداري عن المتقاضين.
ومن هنا، تُعد الحلول التي تركز على تجربة المستخدم، وسهولة التفاعل، والشفافية، ذات أولوية خاصة في تقييم المشاريع المشاركة.
رسالة واضحة للمستقبل
يعكس تنظيم هاكاثون ذكاء القضاء رسالة واضحة مفادها أن القضاء السعودي لا ينظر إلى التقنية كترف، بل كضرورة استراتيجية، وأن الابتكار أصبح جزءًا أصيلًا من تطوير العدالة، وليس عنصرًا ثانويًا. كما يؤكد أن أبواب المشاركة في صناعة المستقبل مفتوحة أمام الجميع، من خلال أفكارهم، ومهاراتهم، ورؤاهم.
ما هو هاكاثون ذكاء القضاء؟
هو مبادرة ابتكارية ينظمها ديوان المظالم تهدف إلى استقطاب أفكار تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتطوير إجراءات التقاضي وتحسين تجربة المستفيدين في القضاء الإداري.
كم عدد المشاركين في هاكاثون ذكاء القضاء؟
شارك في مرحلة التسجيل أكثر من 260 فريقًا، ضمّت أكثر من 1000 مبتكر من مختلف التخصصات التقنية والقانونية.
متى تُقام فعاليات هاكاثون ذكاء القضاء؟
من المقرر أن تُعقد فعاليات الهاكاثون خلال يومي 4 و5 فبراير المقبل، بعد الانتهاء من الجلسات التعريفية وورش العمل التمهيدية.
ما أهداف الهاكاثون؟
يهدف الهاكاثون إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتقليص مدة التقاضي، وتحسين كفاءة الإجراءات، وتطوير أدوات دعم القرار القضائي، وتعزيز تجربة المستفيدين.
هل سيتم تطبيق الحلول الفائزة؟
يركز ديوان المظالم على أن تكون الحلول المقدمة قابلة للتطبيق العملي، مع إمكانية تبني المشاريع المتميزة ضمن منظومة القضاء الإداري مستقبلًا.
اقرأ أيضًا: الرياض تفتح بوابة جديدة للعالم.. أمير المنطقة يدشّن الصالة الدولية 2 ويضاعف طاقة مطار الملك خالد



