كُتاب الترند العربي

حين نخلط بين الذكاء والتحكم بالمشاعر

ملك الحازمي

نرتاح غالبًَا لمن لا ينفعل، لمن يعرف متى يصمت، ويُحسن ضبط ردود فعله. نُسمّي هذا نضجاً، ونحسبه ذكاءً. لكن ماذا لو كان هذا الاتزان الظاهر لا يعكس فهماً حقيقياً، بل مجرد مهارة في إدارة الموقف؟ وماذا لو كان الفرق بين الذكاء والتحكم بالمشاعر أكبر مما نحب أن نعترف به؟

هذا السؤال لا يهدف إلى التشكيك في الاتزان بقدر ما يدعونا للتوقف عنده، للتفريق بين ما يبدو نضجاً في السلوك، وما يكون وعياً حقيقياً في الداخل. وغالباً لا يكون الأمر نية سيئة أو تلاعباً مقصوداً، بل أمام إنسان تعلّم مع الوقت أن يدير مشاعره ليحمي نفسه، أو ليحافظ على موقعه، أو ليقلل خسائره النفسية. هذا الأسلوب قد يبدو حكيماً من الخارج، لكنه يحمل في داخله معنى أعمق، وهنا يبدأ الخلط الشائع بين الذكاء والتحكم بالمشاعر، وكأن المفهومين شيء واحد، بينما هما في الحقيقة مختلفان تمامًا. ومن هنا، يصبح من الضروري التوقف عند المفهومين نفسيًا، لا كما نراهما في السلوك فقط.

الذكاء يساعدنا على الفهم والتحليل وربط الأمور ببعضها، لكنه لا يقول لنا دائماً كيف نتعامل مع ما نشعر به. هو أداة عقلية مهمة، نعم، لكنها لا تضمن وحدها جودة الحضور داخل العلاقة. أما التحكم بالمشاعر، فهو الطريقة التي نختار بها أن نُظهر ما نشعر به، أو نؤجله، أو نعيد ترتيبه داخل الموقف. وما نراه في السلوك الخارجي لا يعكس دائماً ما يحدث في الداخل؛ فقد يبدو هذا التحكم متزناً وهادئاً، بينما يكون في حقيقته مجرد إدارة للمشهد، لا وعياً حقيقياً بالنفس.

في هذه المساحة غير الواضحة تظهر ما يُسمّى بالحيل النفسية الداكنة. ليس بوصفها شراً مطلقاً، ولا نية خفية دائماً، بل كأنماط تأثير غير مباشرة يتعلّمها الإنسان مع الوقت. ومن المهم التنبيه هنا إلى أن هذا المصطلح لا يُعد مفهوماً علاجياً معتمداً في علم النفس، ولا ينتمي إلى مدرسة نفسية بعينها، بل هو توصيف شائع لسلوكيات تفاعلية تُفهم في إطار علم النفس الاجتماعي، وغالباً ما يُبالغ في استخدامها أو تعميمها خارج سياقها العلمي. في هذا الإطار، قد يكون الصمت وسيلة ضغط، أو يصبح اللطف بديلاً عن الصراحة، أو يتحول الانفعال إلى أداة تُربك الطرف الآخر، أو يُستخدم الغموض لتأجيل الالتزام، أو يتم التقليل من مشاعر الآخرين باسم العقلانية. أساليب قد تنجح لحظياً، لكنها تركز على النتيجة أكثر من العلاقة، وعلى إدارة الآخر أكثر من فهم الذات.

وحين نقترب من التجربة الحياتية، يبدأ الفرق بالظهور بوضوح. في بيئة العمل مثلاً، قد يكون الشخص ذكياً، واسع المعرفة، لكن اندفاعه يفقده قدرته على التأثير، مهما كانت فكرته صحيحة. وفي العلاقات الاجتماعية، قد يبدو الهدوء الدائم فضيلة، لكنه حين يتحول إلى انسحاب أو عقاب صامت، يترك أثرًا باردًا لا يُقال، لكنه يُشعر. حتى اللطف الزائد، حين يكون على حساب الوضوح، قد يحافظ على شكل العلاقة، لكنه يرهقها من الداخل.

في هذه النقطة تحديداً، يتضح أن الذكاء وحده لا يكفي. فالمسألة ليست في المشاعر نفسها، ولا في التحكم بها، بل في المعنى الذي نحمّله لهذا التحكم، والطريقة التي نستخدمه بها. الذكاء يشرح لنا ما يحدث، لكن الوعي هو ما يحدد الأثر الذي نتركه في الآخرين. ولهذا، لا يمكن اعتبار التحكم بالمشاعر دليلاً تلقائياً على النضج، كما لا يمكن اعتبار الذكاء ضماناً للتأثير.

وفي مجتمعاتنا التي تقوم على العلاقات الاجتماعية والمهنية، لا تُقاس القوة بالبرود، ولا يُقاس الذكاء بالمسافة. التأثير الحقيقي لا يُبنى بالمناورة ولا بإدارة الانطباع، بل بالحضور الواعي، وبفهم السياق الإنساني قبل استخدام أي أسلوب. وهنا يصبح فهم هذه الحيل دعوة للوعي لا للاستخدام، حتى لا نخلط بين الذكاء الحقيقي، وبين مجرد التحكم بالمشاعر.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى