إنقاذ حياة قبل أي منصب.. قصة تبرع تهز الوجدان في السعودية
الترند العربي – متابعات
قد لا تحتاج الإنسانية أحيانًا إلى شعارات أو حملات، بقدر ما تحتاج إلى موقف واحد صادق يعيد ترتيب القيم، ويذكّر بأن الحياة تسبق كل شيء. في واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا، اختار شاب سعودي أن يضع إنقاذ روح بريئة فوق أي اعتبار وظيفي أو طموح شخصي، مقدمًا نموذجًا نادرًا في الإيثار والتجرد، حين تبرع بإحدى كليتيه لإنقاذ طفلة تعاني فشلًا كلويًا مزمنًا، في قصة تجاوزت حدود الخبر لتلامس وجدان المجتمع بأسره.
بداية الحكاية من نداء استغاثة عابر
بدأت القصة في الثامن من ديسمبر 2024، عندما صادف الشاب السعودي وليد يحيى مفرح الخالدي نداء استغاثة نشرته والدة طفلة تُدعى بشرى حسن سالم السلمي عبر تطبيق «سناب شات». النداء لم يكن مختلفًا في شكله عن آلاف النداءات التي تعبر الفضاء الرقمي يوميًا، لكنه حمل بين سطوره ألم أمٍ أنهكها البحث عن أمل، وطفلة أنهكها المرض، وحياة تتآكل بصمت تحت وطأة الفشل الكلوي المزمن.

من مشاركة النداء إلى اتخاذ القرار المصيري
في البداية، لم يتجاوز تفاعل وليد حدود المشاركة والمساعدة في نشر الاستغاثة، إلا أن الأمر لم يتوقف عند ذلك. شيئًا فشيئًا، تحوّل التعاطف إلى تفكير، ثم إلى قرار مصيري، حين شعر بأن الاكتفاء بالنشر لا يفي بثقل المسؤولية الإنسانية التي فرضها عليه الموقف. عند تلك اللحظة، انتقل من موقع المتعاطف إلى موقع المنقذ، وقرر أن يعرض نفسه متبرعًا بالكلى، دون معرفة مسبقة بالعائلة أو انتظار مقابل.
انطلاق الفحوصات الطبية وبداية الرحلة الطويلة
في الحادي عشر من ديسمبر 2024، بدأت رحلة الفحوصات الطبية، وهي رحلة لم تكن سهلة أو قصيرة. امتدت الإجراءات الطبية على مدار عام كامل، خضع خلالها وليد لسلسلة من الفحوصات الدقيقة والمعقدة للتأكد من توافق الأنسجة وسلامته الصحية، وسط حالة من الترقب والقلق، ليس فقط من النتائج الطبية، بل من التحديات الشخصية والمهنية التي بدأت تلوح في الأفق.
التحدي الأصعب بين الوظيفة والحياة
خلال تلك الفترة، كان وليد في مرحلة مفصلية من حياته، حيث تقدّم لعدد من الوظائف العسكرية والمدنية، وكان ينتظر فرصًا قد تشكّل مستقبله المهني. إلا أن تعارض مواعيد الفحوصات الطبية وإجراءات التبرع مع متطلبات التوظيف وضعه أمام معادلة قاسية، إما الاستمرار في السعي الوظيفي أو الالتزام الكامل بإنقاذ حياة الطفلة. القرار لم يكن سهلًا، لكنه كان واضحًا بالنسبة له، إذ اختار الحياة، مؤمنًا بأن الرزق بيد الله، وأن الفرص يمكن أن تتأجل، لكن الأرواح لا تنتظر.
قناعة دينية ووطنية تحسم الاختيار
لم يكن قرار وليد نابعًا من اندفاع عاطفي مؤقت، بل من قناعة راسخة تشكّلت عبر منظومة قيم دينية ووطنية، استلهمها من مبادئ التكافل الإسلامي، ومن النهج الإنساني الذي تتبناه قيادة المملكة في دعم العمل الخيري والتبرع بالأعضاء. بالنسبة له، لم يكن إنقاذ حياة إنسان خيارًا إضافيًا، بل واجبًا أخلاقيًا يتقدم على أي مكسب شخصي.
دور الأسرة في تثبيت القرار
وراء هذا القرار الجريء، وقفت أسرة داعمة، لعب الوالدان دورًا محوريًا في تعزيز قناعة وليد، من خلال الموافقة الصريحة، والدعاء، والدعم النفسي المستمر. هذا الاحتضان الأسري لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل عنصرًا أساسيًا في إنجاح التجربة، حيث شكّل بيئة آمنة عززت من ثبات القرار في مواجهة المخاوف الطبيعية المرتبطة بالتبرع بالأعضاء.
يوم العملية.. لحظة فاصلة في القصة
في التاسع عشر من يناير 2026، أُجريت العملية الجراحية في مستشفى القوات المسلحة بالجنوب بمحافظة خميس مشيط. ساعات طويلة داخل غرفة العمليات، اختلط فيها القلق بالأمل، حتى خرج الخبر المنتظر بنجاح العملية، ليُعلن بداية مرحلة جديدة في حياة الطفلة بشرى، ونقطة تحول عميقة في حياة وليد.

مشاعر ما بعد الإفاقة.. ولادة جديدة
عقب الإفاقة من العملية، وصف وليد تجربته بأنها أشبه بـ«ولادة جديدة»، ليس فقط للطفلة التي بدأت رحلة التعافي، بل له شخصيًا. تحدث عن شعور عميق بالطمأنينة والرضا الداخلي، مؤكدًا أن رؤية مؤشرات التحسن على حالة الطفلة شكّلت أعظم مكافأة يمكن أن ينالها، متجاوزة أي خسارة وظيفية أو تعب جسدي.
رحلة تعافٍ تحمل الأمل
بدأت الطفلة بشرى مرحلة التعافي بعد سنوات من المعاناة مع الغسيل الكلوي والألم المستمر، لتتحول العملية إلى نافذة أمل حقيقية، أعادت لها فرصة عيش طفولتها بشكل طبيعي. هذا التحول لم يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل امتد إلى الجانب النفسي للعائلة بأكملها، التي رأت في التبرع معجزة إنسانية أعادت الحياة إلى مسارها.
العمل الإنساني في سياق رؤية السعودية 2030
تعكس هذه القصة جانبًا مهمًا من مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى ترسيخ القيم الإسلامية، وتعزيز العمل الإنساني والتكافل الاجتماعي. ما قام به وليد لم يكن تصرفًا فرديًا معزولًا، بل نتاج بيئة مجتمعية تحفّز على العطاء، وتدعم المبادرات الإنسانية، وتحوّل القيم إلى سلوك يومي ملموس.
التبرع بالأعضاء بين الوعي المجتمعي والتجربة الواقعية
تُسلّط هذه الحادثة الضوء على أهمية رفع الوعي المجتمعي بثقافة التبرع بالأعضاء، ليس بوصفه إجراءً طبيًا فحسب، بل بوصفه فعل حياة يمنح الآخرين فرصة جديدة للعيش. تجربة وليد تقدم نموذجًا عمليًا يبدد المخاوف الشائعة، ويؤكد أن التبرع، عند توفر الشروط الطبية، يمكن أن يتم بأمان، ويترك أثرًا إنسانيًا لا يُقدّر بثمن.

قصة تتجاوز الخبر إلى الرسالة
ما يميّز هذه القصة أنها لم تتوقف عند حدود عملية ناجحة، بل تحولت إلى رسالة ملهمة، مفادها أن الإنسانية لا تُقاس بالمكانة الوظيفية أو المنصب الاجتماعي، بل بالقدرة على التضحية حين يتطلب الموقف ذلك. هي رسالة تعيد الاعتبار لمعنى الإيثار في زمن تزدحم فيه الحسابات الشخصية.
صدى القصة في المجتمع
لاقى موقف وليد تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره كثيرون مثالًا حيًا على المعدن الأصيل لأبناء الوطن. هذا التفاعل لم يكن مجرد إعجاب عابر، بل انعكاس لحاجة المجتمع إلى قصص حقيقية تعيد الثقة بالقيم، وتؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا بقوة في تفاصيل الحياة اليومية.
بين التضحية والهوية الوطنية
تكتسب هذه القصة بعدًا وطنيًا إضافيًا، كونها تجسد صورة إيجابية عن المجتمع السعودي، القائم على التراحم والتكافل، وتعكس هوية وطنية ترى في الإنسان أولوية مطلقة، بغض النظر عن الخلفيات أو المصالح.
الإنسانية ممارسة لا شعار
تؤكد هذه التجربة أن الإنسانية في المملكة ليست خطابًا إعلاميًا أو شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة واقعية تتجسد في مواقف فردية صادقة، حين يُقدّم إنقاذ الحياة على كل اعتبار آخر، وتتحول القيم إلى أفعال ملموسة.
دروس مستفادة من القصة
تحمل قصة وليد وبشرى عدة دروس، أبرزها أن القرارات الصعبة قد تصنع الفارق الأكبر، وأن التضحية قد تفتح أبوابًا من الرضا والسلام الداخلي لا توفرها أي مكاسب مادية. كما تبرز أهمية المبادرة الفردية، وقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الآخرين.
نموذج يُحتذى به للأجيال القادمة
يمكن النظر إلى هذه القصة كنموذج تربوي وإنساني يُحتذى به، خاصة لدى فئة الشباب، حيث تعيد تعريف مفهوم النجاح، وتربطه بالأثر الإنساني، لا بالمنصب أو الراتب فقط.
ختام يحمل المعنى الأعمق
في زمن تتسارع فيه الحياة وتُقاس الإنجازات بالأرقام، تأتي قصة وليد يحيى مفرح الخالدي لتذكرنا بأن أعظم الإنجازات قد تكون تلك التي لا تُكتب في السيرة الذاتية، لكنها تُخلّد في قلوب من أنقذت حياتهم، وفي ذاكرة مجتمع يرى في التضحية أعلى مراتب الإنسانية.
ما الذي دفع الشاب السعودي للتبرع بكليته لطفلة لا يعرفها؟
انطلق قراره من قناعة دينية وإنسانية راسخة، وشعور بالمسؤولية تجاه نداء استغاثة عاجل لإنقاذ حياة طفلة.
هل أثّر قرار التبرع على مسيرته الوظيفية؟
نعم، تعارضت إجراءات التبرع مع فرص وظيفية كان يسعى إليها، لكنه فضّل إنقاذ الحياة على المكاسب المهنية المؤقتة.
أين أُجريت عملية التبرع بالكلى؟
أُجريت العملية في مستشفى القوات المسلحة بالجنوب بمحافظة خميس مشيط.
كيف كانت نتيجة العملية الصحية للطرفين؟
تكللت العملية بالنجاح، وبدأت الطفلة رحلة التعافي، بينما تماثل المتبرع للشفاء مع شعور بالرضا والطمأنينة.
ما الرسالة الأبرز التي تحملها هذه القصة؟
تؤكد أن الإنسانية فعل وموقف، وأن إنقاذ حياة إنسان قد يكون أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الفرد في حياته.
اقرأ أيضًا: السعودية تعزّز حضورها الثقافي عربيًا ودوليًا بمشاركة واسعة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026



