كُتاب الترند العربيعمر غازي

الفارغون..


عمر غازي

هناك نوع من الناس لا يصمت..
ليس لأنه يملك ما يقول،
بل لأنه لا يحتمل أن يكتشف أحد أنه لا يملك شيئًا.

الفارغ لا يُعرف من صمته.. بل من كلامه.

يتكلم كثيرًا،
بثقة زائدة،
بجمل طويلة،
وتفاصيل لا تنتهي،
لكن حين تحاول أن تمسك الفكرة،
لا تجد شيئًا..
كأنك تمسك الهواء.

الفارغ لا يحب الأسئلة المباشرة.
السؤال يختصر الطريق،
وهو لا يعيش إلا في الطرق الطويلة.

لهذا، حين تسأله،
لا يجيب..
يبدأ في الكلام.

يدور حول الإجابة،
يستعرض كلمات،
ينتقل من فكرة إلى أخرى،
حتى تنسى السؤال نفسه،
وتشعر—لسبب ما—أنه قال شيئًا مهمًا.

وهو لم يقل شيئًا.

الفارغ لا يخدعك فقط،
بل يخدع نفسه.
مع الوقت،
يبدأ في تصديق الصوت الذي يصدره،
كأن كثرة الكلام تعني الامتلاء.

وهنا يصبح الأمر أخطر.

لأن الفارغ الواثق
أكثر إقناعًا من العاقل الصامت.

العالم لا يكافئ دائمًا من يفهم،
بل من يبدو أنه يفهم.
والفارغ بارع في هذا الدور.

يملأ المساحات،
يتحدث حين يتردد الآخرون،
يُبدي رأيًا في كل شيء،
ولا يتوقف طويلًا ليفكر في أي شيء.

الصمت يكشفه،
ولهذا يهرب منه.

أما الذي يعرف،
فلا يخشى الصمت.
بل أحيانًا يختاره،
لأنه يعرف أن كل كلمة زائدة
تُضعف المعنى.

الفرق ليس في عدد الكلمات،
بل في وزنها.

وأخطر ما في الفارغ…
أنه لا يبدو كذلك،
إلا لمن صمت طويلًا بما يكفي
ليسمع الفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى